الهجرة في ليبيا: أرقام مُضخّمة وابتزاز سياسي لأوروبا

في ظل التصريحات المتضاربة حول أعداد المهاجرين وطالبي اللجوء في ليبيا، والتي تتراوح بين مليون وأربعة ملايين حسب تصريحات مسؤولين ليبيين، يرى الباحث في قضايا المهاجرين وطالبي اللجوء والناشط الحقوقي طارق لملوم أن هذه الأرقام تُستخدم كأداة للابتزاز السياسي والمالي، وليست انعكاساً لواقع دقيق.

الباحث في قضايا المهاجرين وطالبي اللجوء والناشط الحقوقي طارق لملوم

في حوار خاص مع “مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر”، يكشف طارق عن تعقيدات ملف الهجرة في ليبيا، ويربطه بغياب الإرادة السياسية والانقسام الداخلي، بل ويصف وزير الداخلية الليبي بأنه “موظف خاص بروما لكنه موجود في ليبيا”.

الانقسام السياسي وأرقام مفبركة لخدمة أجندات خارجية

يشير طارق إلى أن انقسام ليبيا بين حكومتين في الشرق والغرب، مع وزارتين للداخلية لا تتعاونان، يجعل أي إحصاء رسمي للمهاجرين “غير صحيح وغير دقيق”.

ويرى أن تصريحات وزير الداخلية في حكومة طرابلس، والتي تضخم الأرقام من مليونين إلى أربعة ملايين خلال أشهر وفق تصريحاته عام 2024، تهدف إلى “ابتزاز الاتحاد الأوروبي” للحصول على مزيد من الدعم المالي والعقود لبناء مراكز احتجاز وتدريب خفر السواحل.

ويؤكد أن الرقم الواقعي الأقرب هو ما أعلنته المنظمة الدولية للهجرة، وهو ما يزيد عن 800 ألف شخص، نظراً لطبيعة ليبيا كدولة عبور، حيث تدخل أعداد وتخرج أخرى يومياً عبر البحر.

وأشار لملوم إلى أن أزمة المهاجرين وعدم إمكانية حصر اعدادهم، كانت في السابق أيام نظام القذافي، معروف عدد المدن التي تخرج المهاجرين، أما الآن أصبحت أزمة المهاجرين منتشرة بدءً من الحدود المصرية من مدينة طبرق ومن الشرق بنغازي وغيرها وحتى طول الساحل الليبي.

وأوضح لملوم انه في حال إحصاء المدن على الساحل، فكل هذه المدن تقوم بإخراج المهاجرين إلى أوروبا إيطاليا واليونان، لذلك وزير الداخلية أو وزارة الداخلية لا يوجد لديها أي إحصائيات أو أرقام أو حتى من يتم إرجاعه من البحر، لافتاً إلى أن ما يحدث حاليا هو ابتزاز للاتحاد الأوروبي وهذا أمر مصرح به.

وأشار الباحث الليبي ان في الرجوع إلى التصريح الأخير لوزير الداخلية الليبي عندما التقى بوزير داخلية إيطاليا بطرابلس، قال بشكل علني وبكل وضوح، أن الدخيلة الليبية مستعدة لحماية مصالح أوروبا ومنع وصول المهاجرين وذلك في المقابل دعم الاتحاد الأوروبي في إعادة المهاجرين الى بلدانهم وبناء مراكز الاحتجاز، وبناء مقرات والتمويل والدعم.

وأوضح طارق ان كل هذا الدعم والأموال والعقود يستفيد منها في المقام الأول وزير الداخلية الليبي.

ليبيا: دولة عبور غير جاذبة للاستقرار

يؤكد الباحث أن ليبيا، بعد أحداث 2011، لم تعد دولة جاذبة للاستقرار حتى لأبنائها، بسبب ارتفاع معدلات البطالة والفساد وتدهور الاقتصاد.

وأضاف طارق أن فكرة وجود “أربعة ملايين مهاجر” يختارون البقاء في ليبيا هي فكرة غير منطقية، موضحاً أن التدفقات تختلف في مصادرها، مشيراً إلى أن النسبة الأعلى للواصلين إلى إيطاليا كانت من بنجلاديش ومصر ودول أخرى تدخل عبر المطارات بشكل نظامي، وليس فقط عبر الصحراء.

قضية الكفرة والاستغلال السياسي للملف الإنساني

ينفي طارق المبالغة الإيطالية في أعداد السودانيين في مدينة الكفرة، معترفاً بأن الأعداد كبيرة، رابطاً تكدسهم هناك بسياسة مفوضية اللاجئين التي تجبر النازحين على التوجه إلى طرابلس للتسجيل، مشيراً إلى أن منطق العمل الإنساني يفترض وجود مكاتب قريبة من الحدود.

ويرى أن هذا النقل يجري لخدمة مصالح وسطاء ليبيين يتعاقدون مع المفوضية، لافتاً إلى أن تهريب البشر في الكفرة يسيطر عليه تنظيم قبلي مرتبط بتشكيلات مسلحة، وهو امتداد لشبكات قديمة ازدهرت بعد 2011.

احتجاز واختطاف وفدية: سوق سوداء تعتمد على الجنسية

يكشف الناشط الحقوقي عن استمرار ظاهرة احتجاز المهاجرين وطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم، حيث تستهدف هذه الممارسات جنسيات معينة حسب قدرتها على الدفع، موضحاً أن السوريون كانوا يُطالبون بآلاف الدولارات من قبل جماعات التهريب، بينما المصريين يطلب منهم مبالغ أقل.

ويشير الباحث الليبي إلى أن معظم المصريين المحتجزين حالياً موجودون في سجن تاجوراء الرسمي التابع لوزارة الداخلية، بينما تنفي المعلومات وجود أعداد كبيرة مختفية لدى الميليشيات، لأن “الميليشيا تحتجز لطلب المال، وإلا لاتصلت بالأهل”.

غياب الإرادة السياسية والحلول المطروحة

يرى طارق أن جوهر الأزمة يكمن في غياب الإرادة السياسية الموحدة لحل هذه القضية، حيث تستفيد الحكومات والميليشيات والشركات من اليد العاملة غير النظامية الرخيصة.

ويرى أن الطريق نحو حل هذه الأزمة هو الفصل بين ملفي اللجوء والهجرة، والسماح لمفوضية اللاجئين بتسجيل طالبي اللجوء في مناطق وجودهم دون إجبارهم على التوجه إلى طرابلس.

بالإضافة الى ذلك من الضروري جداً نقل مكتب المفوضية من العاصمة إلى مناطق حدودية مثل الكفرة وإصدار بطاقات حصر للموجودين عبر البلديات، وهو إجراء ممكن لكنه غير مرغوب من السلطات لأنه سيفرض التكاليف والتزامات وتسهيل العودة الطوعية من مناطق مختلفة وليس فقط من طرابلس.

ونوه لملوم إلى ضرورة توحيد الحكومة الليبية كمدخل أساسي للتفاوض مع الاتحاد الأوروبي بشكل واقعي يحترم القانون والحقوق.

حكومات تخدم روما على حساب الشعب الليبي

يخلص طارق إلى نقد لاذع للحكومتين الليبيتين، مشيراً إلى أن كليهما تتعامل مع إيطاليا وتحاول القبول بكل ما تطلبه مقابل دعم سياسي واعتراف دولي. ويستشهد بتصريح وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية الذي قال: “نحن مستعدون لحماية مصالح أوروبا بشرط أن تمدونا بالمساعدة في إعادتهم إلى بلدانهم”، وهو ما يصفه طارق بأنه اعتراف صريح بأن الحكومة تعمل كـ”موظف خاص بروما”.

ويختتم طارق تصريحه بإن العشوائية والانزعاج الشعبي من تزايد أعداد المهاجرين في الشوارع هو نتاج طبيعي لسياسات حكومية فاشلة وتدخلات خارجية تهدف فقط إلى منع الوصول إلى أوروبا، دون الاكتراث بالاستقرار أو النظام العام داخل ليبيا.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

زيارة رئيس الوزراء آبي أحمد إلى أذربيجان: فصل جديد في العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وأذربيجان

بقلم: نور حسين علي… مستشار الشباب في القوات الجوية الأمريكية- Youth Advisor at USAFI تدخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *