ﻣﻦ ﺧﻄﺎب اﻟﺤﻘﻮق إﻟﻰ ﺳﯿﺎﺳﺎت اﻟﺮدع: اﻟﺘﺤﻮل اﻷوروﺑﻲ ﻓﻲ ﻣﻠﻒ اﻟﻼﺟﺌﯿﻦ

بقلم: خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي

خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي

ﯾﺸﮭﺪ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﯿﻮم أزﻣﺎت ﻣﺘﺪاﺧﻠﺔ دﻓﻌﺖ ﻣﻼﯾﯿﻦ اﻟﺒﺸﺮ إﻟﻰ اﻟﮭﺠﺮة اﻟﻘﺴﺮﯾﺔ، ﻓﻲ ﻣﺸﮭﺪ ﻟﻢ ﯾﻌﺪ اﺳﺘﺜﻨﺎﺋﯿًﺎ ﺑﻞ أﺻﺒﺢ ﺳﻤﺔ ﻣﻦ ﺳﻤﺎت اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪوﻟﻲ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮ. وﻓﻲ ﺧﻀﻢ ھﺬا اﻟﻮاﻗﻊ، وﺟﺪت أوروﺑﺎ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﻣﻠﻒ اﻟﻠﺠﻮء، ﺑﯿﻦ ﺧﻄﺎب إﻧﺴﺎﻧﻲ ﻣﻌﻠﻦ وﺳﯿﺎﺳﺎت ﻋﻤﻠﯿﺔ ﺗﺘﺄرﺟﺢ ﺑﯿﻦ اﻻﺣﺘﻮاء واﻟﺮﻓﺾ.
أرى أن ﻣﻠﻒ اﻟﻠﺠﻮء ﻓﻲ أوروﺑﺎ ﻟﻢ ﯾﻌﺪ ﻗﻀﯿﺔ إﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ﺑﺤﺘﺔ، ﺑﻞ ﺗﺤﻮّل إﻟﻰ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ ﺗﻜﺸﻒ اﺧﺘﻼﻻت ﻋﻤﯿﻘﺔ ﻓﻲ طﺮﯾﻘﺔ إدارة اﻷزﻣﺎت. ﻓﺎﻟﻘﺎرة اﻷوروﺑﯿﺔ ﺗﻮاﺟﮫ ﺗﺤﺪﯾﺎت ﺑﻨﯿﻮﯾﺔ واﺿﺤﺔ، أﺑﺮزھﺎ ﺷﯿﺨﻮﺧﺔ اﻟﺴﻜﺎن، ﺗﺮاﺟﻊ ﻣﻌﺪﻻت اﻟﻮﻻدة، وﻧﻘﺺ ﻣﺘﺰاﯾﺪ ﻓﻲ اﻷﯾﺪي اﻟﻌﺎﻣﻠﺔ، وھﻲ ﻋﻮاﻣﻞ ﺟﻌﻠﺖ ﻣﻦ اﻟﻼﺟﺌﯿﻦ، وﻻ ﺳﯿﻤﺎ ﻓﺌﺔ اﻟﺸﺒﺎب، ﻣﻮردًا ﺑﺸﺮﯾًﺎ ﻣﮭﻤًﺎ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﺗﺠﺎھﻠﮫ.

اﻗﺘﺼﺎدﯾًﺎ، ﺳﺎھﻢ اﻟﻼﺟﺌﻮن ﻓﻲ ﺳﺪ ﻓﺠﻮات ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ داﺧﻞ ﺳﻮق اﻟﻌﻤﻞ اﻷوروﺑﻲ. ﻗﻄﺎﻋﺎت ﺣﯿﻮﯾﺔ ﻣﺜﻞ اﻟﺮﻋﺎﯾﺔ اﻟﺼﺤﯿﺔ، اﻟﺒﻨﺎء، اﻟﺰراﻋﺔ، اﻟﻨﻘﻞ، واﻟﺨﺪﻣﺎت ﺗﻌﺘﻤﺪ اﻟﯿﻮم ﺑﺪرﺟﺎت ﻣﺘﻔﺎوﺗﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻤﺎﻟﺔ اﻟﻮاﻓﺪة. وﻣﻊ دﺧﻮل أﻋﺪاد ﻣﺘﺰاﯾﺪة ﻣﻦ اﻟﻼﺟﺌﯿﻦ إﻟﻰ ﺳﻮق اﻟﻌﻤﻞ، ﺑﺎﺗﻮا ﻣﺴﺎھﻤﯿﻦ ﻓﻲ دﻓﻊ اﻟﻀﺮاﺋﺐ وﺗﻤﻮﯾﻞ أﻧﻈﻤﺔ اﻟﻀﻤﺎن اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ، ﻣﺎ ﯾﺨﻔﻒ اﻟﻀﻐﻂ ﻋﻦ دول ﺗﻌﺎﻧﻲ أﺻﻼً ﻣﻦ ﻋﺐء ﻣﺘﺰاﯾﺪ ﻋﻠﻰ أﻧﻈﻤﺔ اﻟﺘﻘﺎﻋﺪ.

إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ذﻟﻚ، اﺳﺘﻔﺎدت أوروﺑﺎ ﻣﻦ طﺎﻗﺎت ﻣﻌﺮﻓﯿﺔ وﻋﻘﻮل ﻣﺆھﻠﺔ اﺿﻄﺮت ﻟﻤﻐﺎدرة ﺑﻠﺪاﻧﮭﺎ ﺑﺴﺒﺐ اﻟﺤﺮوب أو اﻟﻘﻤﻊ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ. أطﺒﺎء، ﻣﮭﻨﺪﺳﻮن، ﺑﺎﺣﺜﻮن، وأﻛﺎدﯾﻤﯿﻮن وﺟﺪوا ﻓﻲ أوروﺑﺎ ﻣﺴﺎﺣﺔ ﻹﻋﺎدة ﺑﻨﺎء ﺣﯿﺎﺗﮭﻢ اﻟﻤﮭﻨﯿﺔ، وأﺳﮭﻤﻮا ﻓﻲ دﻋﻢ اﻟﻘﻄﺎﻋﺎت اﻟﻌﻠﻤﯿﺔ واﻟﻄﺒﯿﺔ واﻟﺘﻌﻠﯿﻤﯿﺔ. ھﺬا اﻟﺘﻨﻮع اﻟﻤﻌﺮﻓﻲ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻋﺒﺌًﺎ، ﺑﻞ ﺷﻜّﻞ ﻋﻨﺼﺮ ﻗﻮة ﻓﻲ اﻗﺘﺼﺎد ﻋﺎﻟﻤﻲ ﯾﻘﻮم ﻋﻠﻰ اﻻﺑﺘﻜﺎر واﻟﺘﻨﺎﻓﺴﯿﺔ.

رﻏﻢ ذﻟﻚ، ﺟﺮى ﻓﻲ اﻟﺴﻨﻮات اﻷﺧﯿﺮة ﺗﺤﻮﯾﻞ ﻗﻀﯿﺔ اﻟﻼﺟﺌﯿﻦ إﻟﻰ أداة ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ اﻧﺘﺨﺎﺑﯿﺔ، ﺧﺼﻮﺻًﺎ ﻣﻊ ﺻﻌﻮد اﻷﺣﺰاب اﻟﺸﻌﺒﻮﯾﺔ واﻟﯿﻤﯿﻨﯿﺔ. ھﺬه اﻷﺣﺰاب ﻧﺠﺤﺖ ﻓﻲ ﺗﺒﺴﯿﻂ ﻣﻠﻒ ﻣﻌﻘّﺪ، ورﺑﻂ اﻟﻠﺠﻮء ﺑﻤﻔﺎھﯿﻢ اﻟﺨﻮف، اﻟﺘﮭﺪﯾﺪ اﻷﻣﻨﻲ، وﻓﻘﺪان اﻟﮭﻮﯾﺔ، دون اﻻﻋﺘﻤﺎد ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻠﯿﻞ ﻋﻠﻤﻲ أو ﻣﻌﻄﯿﺎت دﻗﯿﻘﺔ. وﻗﺪ أﺛﺒﺖ ھﺬا اﻟﺨﻄﺎب ﻓﻌﺎﻟﯿﺘﮫ ﻓﻲ ﺣﺸﺪ اﻷﺻﻮات، ﻟﻜﻨﮫ أﺿﻌﻒ اﻟﻨﻘﺎش اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاطﻲ وﻏﯿّﺐ اﻟﺤﻠﻮل طﻮﯾﻠﺔ اﻷﻣﺪ.

اﻷﻛﺜﺮ إﺷﻜﺎﻟﯿﺔ أن ﺑﻌﺾ اﻷﺣﺰاب اﻟﺘﻘﻠﯿﺪﯾﺔ ﺗﺒﻨّﺖ ﺗﺪرﯾﺠﯿًﺎ ھﺬا اﻟﺨﻄﺎب، ﺧﺸﯿﺔ ﺧﺴﺎرة ﻗﻮاﻋﺪھﺎ اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﯿﺔ، ﻣﺎ أدى إﻟﻰ ﺗﻐﯿّﺮ ﺟﻮھﺮي ﻓﻲ اﻟﺴﯿﺎﺳﺎت اﻟﻌﺎﻣﺔ. وﺑﺪل اﻟﺘﺮﻛﯿﺰ ﻋﻠﻰ اﻻﻧﺪﻣﺎج، اﻟﺘﻌﻠﯿﻢ، واﻟﺘﺄھﯿﻞ اﻟﻤﮭﻨﻲ، طﻐﺖ ﺳﯿﺎﺳﺎت اﻟﺮدع، اﻟﺘﺸﺪﯾﺪ، واﻟﺘﺮﺣﯿﻞ، ﺣﺘﻰ ﻓﻲ اﻟﺤﺎﻻت اﻟﺘﻲ أﺛﺒﺘﺖ ﻓﯿﮭﺎ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ أن ھﺬه اﻟﻤﻘﺎرﺑﺎت ﻣﻜﻠﻔﺔ اﻗﺘﺼﺎدﯾًﺎ وﻣﺠﺘﻤﻌﯿًﺎ.

ﻧﺘﯿﺠﺔ ھﺬه اﻟﺴﯿﺎﺳﺎت، ﺑﺪأت أوروﺑﺎ ﺗﺨﺴﺮ ﺟﺰءًا ﻣﻦ اﻟﻼﺟﺌﯿﻦ اﻟﺬﯾﻦ اﺳﺘﺜﻤﺮت ﻓﻲ ﺗﻌﻠﯿﻤﮭﻢ وﺗﺄھﯿﻠﮭﻢ، ﺳﻮاء ﻋﺒﺮ إﻋﺎدﺗﮭﻢ اﻟﻘﺴﺮﯾﺔ أو دﻓﻌﮭﻢ ﻟﻠﮭﺠﺮة إﻟﻰ دول أﻛﺜﺮ اﻧﻔﺘﺎﺣًﺎ. ھﺬه اﻟﺨﺴﺎرة ﻻ ﺗﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ اﻷﻓﺮاد، ﺑﻞ ﺗﻤﺘﺪ إﻟﻰ ﺧﺴﺎرة ﻗﻮة ﻋﻤﻞ ﺷﺎﺑﺔ، وﻋﻘﻮل ﻛﺎن ﯾﻤﻜﻦ أن ﺗﺴﮭﻢ ﻓﻲ ﺳﺪ اﻟﻔﺠﻮات اﻟﺪﯾﻤﻮﻏﺮاﻓﯿﺔ وﺗﻌﺰﯾﺰ اﻻﺑﺘﻜﺎر. ﻛﻤﺎ ﺗﺆدي إﻟﻰ ﺗﻌﻤﯿﻖ اﻻﻧﻘﺴﺎﻣﺎت اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ وإﺿﻌﺎف اﻟﺜﻘﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﻼﺟﺌﯿﻦ واﻟﻤﺆﺳﺴﺎت.

ﻓﻲ اﻟﻤﺤﺼﻠﺔ، ﻻ ﯾﻜﻤﻦ اﻟﺘﺤﺪي اﻟﺤﻘﯿﻘﻲ أﻣﺎم أوروﺑﺎ ﻓﻲ أﻋﺪاد اﻟﻼﺟﺌﯿﻦ، ﺑﻞ ﻓﻲ ﻛﯿﻔﯿﺔ إدارﺗﮭﺎ ﻟﮭﺬا اﻟﻤﻠﻒ ﺑﻌﯿﺪًا ﻋﻦ اﻟﺤﺴﺎﺑﺎت اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﯿﺔ ﻗﺼﯿﺮة اﻷﻣﺪ. ﻓﺎﻟﺴﯿﺎﺳﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺴﺘﺜﻤﺮ ﻓﻲ اﻹﻧﺴﺎن وﺗﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻌﮫ ﻛﻌﻨﺼﺮ ﻗﻮة، ﻻ ﻛﺘﮭﺪﯾﺪ، ھﻲ وﺣﺪھﺎ اﻟﻘﺎدرة ﻋﻠﻰ ﺿﻤﺎن اﺳﺘﻘﺮار اﻗﺘﺼﺎدي، ﺗﻮازن دﯾﻤﻮﻏﺮاﻓﻲ، وﻣﻜﺎﻧﺔ ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ ﻣﺴﺘﺪاﻣﺔ ﻷوروﺑﺎ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺳﺮﯾﻊ اﻟﺘﺤﻮّل.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

الهجرة في ليبيا: أرقام مُضخّمة وابتزاز سياسي لأوروبا

في ظل التصريحات المتضاربة حول أعداد المهاجرين وطالبي اللجوء في ليبيا، والتي تتراوح بين مليون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *