الشراكة الإستراتيجية بين إثيوبيا وكينيا: ركيزة الاستقرار والتكامل في القرن الإفريقي

بقلم: نور حسين علي… مستشار الشباب في القوات الجوية الأمريكية- Youth Advisor at USAFI

في ظل بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار الجيوسياسي، والتحولات السياسية الداخلية، والتحديات الأمنية المتعددة، برزت الشراكة الإستراتيجية بين إثيوبيا وكينيا بوصفها أحد أهم أعمدة الاستقرار والتكامل الاقتصادي في القرن الإفريقي.

نور حسين علي… مستشار الشباب في  القوات الجوية الأمريكية- Youth Advisor at USAFI

وعلى الرغم من الضغوط الداخلية والتعقيدات الإقليمية، نجح البلدان في تعميق تعاونهما الثنائي بشكل متزايد، الأمر الذي جعل من هذه الشراكة نموذجًا متقدمًا للاندماج الإقليمي والمرونة الاقتصادية في شرق إفريقيا.

وتعود جذور العلاقات الإثيوبية الكينية إلى عقود طويلة من التعاون الدبلوماسي والأمني، حيث تم إرساء إطار رسمي للتعاون الدفاعي منذ عام 1964.

ومع مرور الوقت، توسعت هذه العلاقة لتشمل مجالات أوسع مثل التجارة العابرة للحدود، وتطوير البنية التحتية، والتنسيق الدبلوماسي الإقليمي.

وقد شهدت العلاقات الثنائية زخمًا سياسيًا متجددًا في ديسمبر 2025، عندما التقى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الكيني ويليام روتو في أديس أبابا، وأكدا التزامهما المشترك بتعزيز السلام الإقليمي، ودفع مسار التكامل الاقتصادي، وتوسيع آفاق التعاون الحدودي.

وجاء هذا اللقاء عقب توقيع اتفاقية مبسطة للتجارة عبر الحدود في 19 ديسمبر 2025، هدفت إلى تقليل العوائق الإدارية وتحسين حركة السلع والخدمات بين البلدين.

أما على الصعيد الأمني، فقد شكلت اتفاقية التعاون الدفاعي لعام 2025 محطة مفصلية، حيث أرست آليات مؤسسية لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنظيم التدريبات العسكرية المشتركة، وتعزيز جهود مكافحة الإرهاب. ويعكس هذا التطور إدراك الطرفين للطابع العابر للحدود للتحديات الأمنية في القرن الإفريقي، والحاجة إلى استجابات جماعية منسقة.

وتمثل إثيوبيا وكينيا معًا العمود الفقري للاقتصاد الإقليمي في شرق إفريقيا. وتشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن شرق إفريقيا ستكون أسرع أقاليم القارة نموًا خلال عام 2026، بمعدل نمو متوقع يبلغ 5.8 في المائة، مع اعتبار إثيوبيا وكينيا المحركين الرئيسيين لهذا الأداء الاقتصادي.

وقد تعزز التعاون الاقتصادي بين البلدين من خلال توقيع اتفاقيات جديدة للتجارة والاستثمار في ديسمبر 2025، تهدف إلى تقوية سلاسل القيمة الإقليمية وتشجيع التبادل التجاري العابر للحدود.

كما يشهد قطاع الخدمات المالية تقاربًا متزايدًا، حيث بدأت المؤسسات المصرفية الكينية في التوسع داخل السوق الإثيوبية، في مؤشر واضح على تصاعد الثقة الاستثمارية وتسارع التكامل المالي بين البلدين.

وعلى مستوى الطاقة، أسهم التعاون الثنائي في تعزيز الاعتماد المتبادل، إذ تدعم صادرات الكهرباء الإثيوبية إلى كينيا أمن الطاقة الإقليمي وتدفع النمو الصناعي، ما يعكس الدور الحيوي للبنية التحتية العابرة للحدود في إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية الثنائية.

ويُعد مشروع ممر لامو–جنوب السودان–إثيوبيا للنقل (LAPSSET) أبرز المبادرات الإستراتيجية التي تربط الرؤى التنموية لإثيوبيا وكينيا.

وفي ديسمبر 2025، جدد قادة الدول الثلاث التزامهم بتسريع تنفيذ المشروع، في خطوة تعكس الإرادة السياسية لإحياء هذا المشروع الإقليمي العملاق.

يهدف الممر إلى توفير منفذ بحري فعال لإثيوبيا عبر ميناء لامو الكيني، إلى جانب إنشاء شريان تجاري حيوي يربط المناطق الداخلية بالأسواق العالمية.

وبالنسبة لكينيا، يمثل المشروع فرصة لتعزيز مكانتها كمركز لوجستي إقليمي وتحفيز التنمية الاقتصادية في أقاليمها الشمالية.

غير أن تحديات التمويل لا تزال تمثل العقبة الأبرز أمام التنفيذ الكامل للمشروع، ويتطلب نجاحه تنسيقًا عالي المستوى مع الشركاء الدوليين، وتفعيل نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى التزام سياسي طويل الأمد من الطرفين.

ويشكل التعاون الأمني أحد أكثر أبعاد الشراكة الإثيوبية الكينية أهمية. إذ يلعب البلدان دورًا محوريًا في مبادرات الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، لا سيما في جهود استقرار الصومال ومكافحة الجماعات المتطرفة.

ومنذ عام 2018، تبنت إثيوبيا توجهًا دبلوماسيًا يقوم على أولوية منطقة القرن الإفريقي، ويركز على الترابط الاقتصادي الإقليمي كمدخل لتحقيق الاستقرار طويل الأمد، ويتكامل هذا التوجه مع سياسة كينيا القائمة على تعزيز العمل متعدد الأطراف والوساطة الإقليمية.

ويعكس هذا التقارب تحولًا استراتيجيًا نحو ربط التنمية الاقتصادية بالأمن الإقليمي. ويرى العديد من الخبراء أن تحقيق الاستقرار المستدام في القرن الإفريقي مرهون بقدرة إثيوبيا وكينيا على تنسيق سياساتهما الإقليمية عبر منصات مثل الإيغاد وتجمع شرق إفريقيا، بدلًا من اتباع سياسات أحادية الجانب.

وعلى الرغم من متانة الشراكة الثنائية، لا تزال هناك تحديات جيوسياسية كبيرة تؤثر على مسار التعاون. فقد أدت الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما يشكل عبئًا اقتصاديًا إضافيًا على الدول غير الساحلية مثل إثيوبيا، ويعزز في الوقت ذاته أهمية الممرات البديلة عبر كينيا.

كما ساهمت التطورات الدبلوماسية المرتبطة بوضع أرض الصومال في تعقيد المشهد الإقليمي، وأدت إلى تصاعد التوترات السياسية وتزايد الاستقطاب الإقليمي.

وتفرض هذه المتغيرات على أديس أبابا ونيروبي تحديات إضافية تتطلب تنسيقًا دبلوماسيًا دقيقًا للحفاظ على التوازن بين المصالح الوطنية والاستقرار الإقليمي.

وعلى المستوى الثنائي، تظل الفوارق التنظيمية والبيروقراطية من بين العقبات التي تواجه الشركات الكينية العاملة في إثيوبيا، كما أن اختلاف النظم الإدارية والسياسات الاقتصادية قد يؤثر على سرعة التكامل المؤسسي.

لقد أصبحت الشراكة الإستراتيجية بين إثيوبيا وكينيا اليوم واحدة من أكثر العلاقات الثنائية تأثيرًا في شرق إفريقيا. فمن خلال تعزيز التعاون الأمني، وتوسيع التكامل الاقتصادي، وتنسيق المواقف الدبلوماسية، يعمل البلدان على إعادة تشكيل بنية النظام الإقليمي في القرن الإفريقي.

ورغم استمرار المخاطر الجيوسياسية والتحديات التمويلية، فإن الاتجاه العام يشير إلى تحول تدريجي نحو شراكة مؤسسية طويلة الأمد.

ومع استمرار تقارب الرؤى الإستراتيجية بين أديس أبابا ونيروبي، تزداد فرص تحويل التعاون الثنائي إلى نموذج إقليمي قادر على دعم الاستقرار، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وبناء مستقبل أكثر استدامة للمنطقة.

 


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

الهجرة في ليبيا: أرقام مُضخّمة وابتزاز سياسي لأوروبا

في ظل التصريحات المتضاربة حول أعداد المهاجرين وطالبي اللجوء في ليبيا، والتي تتراوح بين مليون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *