أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة غير الشرعية، تتكشف في المشهد الليبي أسئلة عميقة تتجاوز الوقائع التقنية إلى جوهر الأزمة السياسية والمؤسسية في البلاد.

تصريحات متقاطعة لفاعلين سياسيين وإعلاميين تعكس حجم الشكوك المرتبطة بإدارة السلطة الانتقالية للملفات الحساسة، وحدود الشفافية، ودور المجتمع الدولي. وبين روايات رسمية وفرضيات مفتوحة، يجد الليبيون أنفسهم أمام مشهد تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع إشكاليات الشرعية والسيادة، في لحظة فارقة لا تحتمل مزيدًا من الغموض.

وفي هذا السياق قال المتحدث السابق باسم مجلس الدولة الاستشاري، السنوسي إسماعيل في تصريحات خاصة لـ “مركز المستقبل” للدراسات الاستراتيجية، إن التقارير المتداولة بشأن قيام الملحق العسكري الأوكراني أندريه بايوك ببيع طائرات مسيّرة لجماعات مسلحة داخل ليبيا تشير، وفق المعلومات المتوفرة، إلى أن حكومة عبد الحميد الدبيبة هي من قامت بشراء هذه المسيرات.

وأوضح إسماعيل أن هذا التوجه يرتبط على الأرجح بالقيود المفروضة على استخدام الطائرات المسيّرة التركية من قبل الأطراف الليبية، ما دفع الحكومة إلى البحث عن بدائل أخرى.

وأفاد بأن الحكومة تبرر استخدام هذه المسيّرات بدواعٍ أمنية، خاصة في مناطق الساحل الغربي، بزعم استهداف شبكات التهريب، إلا أن هذه الرواية – بحسب قوله – محل تشكيك واسع من سكان مناطق الزاوية وزوارة ومناطق مجاورة.

سقوط طائرة رئيس الأركان السابق: حادث عرضي أم إسقاط متعمد؟

وأوضح السنوسي إسماعيل أن حادثة سقوط طائرة رئيس الأركان العامة الليبية السابق محمد الحداد تثير شكوكًا مشروعة، معربًا عن ترجيحه أن الطائرة “غالبًا ما تم إسقاطها”، في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات الرسمية.

وأشار إلى أن طبيعة طائرة “فالكون”، المعروفة بسلامتها العالية واعتماديتها الفنية، تجعل من غير المرجح سقوطها بشكل مفاجئ دون محاولة هبوط اضطراري أو مؤشرات تقنية مسبقة.

وأضاف أن الصندوقين الأسودين قد يحملان أدلة حاسمة بشأن ملابسات الحادث والجهة المسؤولة عنه.

الملف الأوكراني: فرضيات سياسية لا اتهامات مؤكدة

وفي ما يتعلق بالأنباء التي تربط أطرافًا أوكرانية بحادثة سقوط الطائرة، خاصة في ظل معلومات عن لقاءات مشبوهة تزامنت مع الحادث، شدد إسماعيل على ضرورة عدم توجيه اتهامات مسبقة لأي دولة بعينها.

وأكد أن “الملف الأوكراني لا يمكن الجزم به في الوقت الراهن”، وأن انتظار نتائج التحقيق الرسمية يبقى الخيار الأكثر مسؤولية، لاسيما أن الحادثة تمس السيادة الليبية والتركية في آن واحد.

الهجرة غير الشرعية: أزمة تتجاوز قدرات ليبيا

وقال إسماعيل إن ملف الهجرة غير الشرعية بات أزمة مركبة تتجاوز قدرات الدولة الليبية، في ظل منع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا وإبقائهم داخل الأراضي الليبية دون حلول جذرية.

وأوضح أن الاتفاقات الموقعة مع الاتحاد الأوروبي لم تُفعّل بشكل فعّال، حيث لم تلتزم الدول الأوروبية بإعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، ولم توفر مسارات قانونية محدودة للهجرة، كما لم تقدم الدعم الكافي لليبيا لضبط حدودها البرية الشاسعة.

مخاطر أمنية وديموغرافية متصاعدة

وحذر المتحدث السابق باسم مجلس الدولة من أن استمرار الوضع الحالي يفتح الباب أمام استغلال المهاجرين كعمالة رخيصة أو حتى كمرتزقة في النزاعات المسلحة، معتبرًا أن ذلك يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الليبي، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية المعقدة.
وانتقد ما وصفه بـ“الأنانية الأوروبية المفرطة”، موضحًا أن منع المهاجرين من عبور البحر دون معالجة جذور الأزمة يؤدي إلى تكدسهم داخل ليبيا في ظروف إنسانية قاسية، ويعزز مخاطر التغيير الديموغرافي وتداعياته المستقبلية.

تحديات متشابكة وغياب حلول دولية

وأفاد السنوسي إسماعيل في ختام تصريحاته بأن ليبيا تمر بمرحلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الملفات الأمنية والسياسية والإنسانية، في ظل غياب حلول دولية حقيقية، ما يضع البلاد أمام تحديات معقدة تتطلب قدرًا أعلى من الشفافية الداخلية، وتعاونًا دوليًا جادًا يتجاوز إدارة الأزمات إلى معالجتها من جذورها.

سلطة انتقالية بلا تفويض شعبي

الكاتب الصحفي عمر البدري

وفي السياق ذاته قال الكاتب الصحفي عمر البدري في تصريحات خاصة لـ “مركز المستقبل” للدراسات الاستراتيجية، إن أي نقاش جاد حول الملفات الأمنية أو العسكرية المرتبطة بحكومة عبد الحميد الدبيبة لا يمكن فصله عن الحقيقة الجوهرية المتمثلة في أن هذه الحكومة سلطة انتقالية منتهية الولاية، جاءت عبر مسار سياسي مشوب بالجدل، وتعهدت بإجراء انتخابات خلال فترة زمنية محدودة، لكنها دخلت عامها الخامس دون تفويض شعبي.

وأضاف أن هذا الواقع جعل استمرارها في الحكم قائمًا على إدارة توازنات القوة والدعم الخارجي، لا على شرعية داخلية أو مؤسسات مستقرة.

صفقات السلاح بين الأمن وتثبيت الأمر الواقع

وأضاف البدري أن الحديث عن شراء مسيّرات أو تطوير قدرات عسكرية جديدة لا يمكن التعامل معه بوصفه إجراءً أمنيًا تقنيًا محضًا، في ظل غياب الشفافية حول طبيعة هذه الصفقات ومساراتها والجهات المشرفة عليها. وأوضح أن هذا الغموض يفتح الباب أمام قراءة سياسية أوسع تتساءل عما إذا كان الهدف حماية الأمن القومي، أم تثبيت الأمر الواقع وترجيح كفة داخلية في صراع هش على السلطة، خاصة في ظل بيئة أممية متساهلة لم تُفعّل أدوات رقابة حقيقية واكتفت بدور المراقب.

الشك السياسي نتيجة طبيعية لا موقف عدائي

وأشار البدري إلى أن هذا الغموض لا يقتصر على الملف العسكري، بل ينسحب على إدارة الدولة ككل، موضحًا أن حكومة مثقلة بملفات فساد مالي وإداري موثقة في تقارير رسمية، ومنخرطة في ملفات سياسية شديدة الحساسية مثل التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية أو الانخراط في مسارات إقليمية معقدة، لا يمكنها مطالبة الليبيين بتقبّل روايتها الرسمية دون مساءلة. وأضاف أن الشك السياسي في هذا السياق يصبح نتيجة طبيعية، لا موقفًا عدائيًا أو تحريضيًا.

سقوط طائرة رئيس الأركان السابق وأزمة الثقة

وتابع البدري أن حادث سقوط طائرة رئيس الأركان السابق يجب قراءته ضمن هذا الإطار العام. وأوضح أنه تقنيًا لا يمكن الجزم بسبب الحادث قبل صدور نتائج تحقيق رسمي مستقل، لكن سياسيًا نحن أمام أزمة ثقة وسيادة، مضيفاً  أن دولة ضعيفة المؤسسات، تعاني تداخل الصلاحيات وغياب المحاسبة، لا تستطيع إغلاق باب التأويلات عبر بيانات مقتضبة، مشيرًا إلى أن غياب الثقة هو ما يغذي الشكوك، وليس وجود دليل قاطع على الإسقاط المتعمد من عدمه.

تقاعس أممي وفرضيات مفتوحة

وأشار البدري إلى أن تقاعس البعثة الأممية عن الضغط باتجاه تحقيقات علنية وشفافة ساهم في إبقاء المجال مفتوحًا للتساؤلات.

وأضاف أن ربط الملف الأوكراني بسقوط الطائرة يظل في إطار الفرضيات السياسية لا الوقائع المثبتة، لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن سلوك الحكومة نفسها لا يساعد على نفي هذه الفرضيات، إذ إن انخراط سلطة منزوعة التفويض في ملفات عسكرية وأمنية دولية حساسة دون رقابة أو توافق وطني يضعف مصداقية أي نفي رسمي.

الهجرة غير الشرعية وسيادة منقوصة

وقال البدري إن ملف الهجرة غير الشرعية يكشف هذه الإشكالية بأوضح صورها، حيث تحولت ليبيا عمليًا إلى خط الدفاع الأول عن أوروبا دون دعم حقيقي لبناء دولة قادرة أو معالجة جذور الأزمة.

وأضاف أن هذا الواقع حوّل الهجرة من ملف إنساني إلى تهديد مباشر للأمن القومي، وأبقى البلاد رهينة لضغوط خارجية مستمرة، في ظل صمت أممي واضح تُدار فيه الأزمة بما يخدم أولويات الشركاء الأوروبيين أكثر مما يحمي السيادة الليبية.

أزمة غموض لا نقص معلومات

وختم البدري تصريحه بالتأكيد على أن الأزمة الليبية اليوم لا تتمثل في نقص المعلومات، بل في فائض الغموض والصمت الدولي، مشيرًا إلى أن وجود حكومة بلا تفويض شعبي، وبعثة أممية عاجزة عن فرض مسار سياسي حازم، وواقع أمني يُدار بردود الفعل لا بالسياسات، يجعل الشك السياسي أمرًا مشروعًا لا اتهامًا، وطرح الأسئلة واجبًا لا ترفًا.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

فنزويلا ليست بعيدة: رسائل أزمة مادورو إلى العالم العربي

خاص – مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتحليل المخاطر في الأخبار تبدو فنزويلا بعيدة جغرافيًا عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *