فنزويلا ليست بعيدة: رسائل أزمة مادورو إلى العالم العربي

خاص – مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتحليل المخاطر

في الأخبار تبدو فنزويلا بعيدة جغرافيًا عن العالم العربي، لكنها ليست بعيدة سياسيًا. لأن ما جرى هناك—على اختلاف التفاصيل—يعيد طرح الأسئلة نفسها التي تشغل دولًا كثيرة: ما الذي يجعل الدولة “تصمد”؟ ما الذي يُسقط الشرعية؟ وما حدود ما يمكن أن يفعله الحليف الخارجي حين يتآكل الداخل؟

من هذه الزاوية، لا تُقرأ أزمة فنزويلا بوصفها خبرًا لاتينيًا، بل بوصفها “حالة اختبار” تُرسل رسائل متعددة للعواصم العربية، بعضها مباشر وواضح، وبعضها مؤلم ويُفضّل كثيرون تجاهله.

1) الحليف الخارجي لا يعوّض الداخل

أكثر ما تكشفه التجربة الفنزويلية هو حقيقة باردة: الدعم الخارجي—مهما كان حجمه—لا يصنع شرعية بديلة. قد يشتري وقتًا، قد يوفر مظلة سياسية أو اقتصادية، لكنه لا يمنع الانهيار إذا أصبحت الدولة عاجزة عن إدارة الاقتصاد، وضبط الخدمات، وحماية العقد الاجتماعي من التآكل.

في السياق العربي، هذا درس جوهري لأن بعض الأنظمة أو القوى السياسية تميل إلى الاعتقاد بأن “التوازن الدولي” يمكن أن يعوّض ضعف الإدارة الداخلية. فنزويلا تقول العكس: الخارج يساند، لكنه لا يحكم نيابة عنك، ولا يدفع فاتورة الأخطاء إلى ما لا نهاية.

2) الشرعية ليست شعارًا… بل قدرة على الحياة

في الشرق الأوسط، غالبًا ما تُختزل الشرعية في السياسة: انتخابات/دستور/اعتراف دولي. لكن فنزويلا تعيد تعريف الشرعية على نحو أكثر قسوة: الشرعية هي قدرة الدولة على جعل الحياة ممكنة.

حين يصبح الوصول إلى أساسيات المعيشة معركة يومية، تتحول السياسة—كلها—إلى صراع على البقاء، وتفقد الخطابات الكبرى تأثيرها تدريجيًا. وهذه الرسالة تمس العالم العربي مباشرة، لأن المنطقة شهدت خلال العقدين الأخيرين مثالًا بعد مثال على أن “الاستقرار الأمني” وحده لا يكفي إذا استُنزفت الطبقة الوسطى، وتراجعت الخدمات، واتسعت الفجوة بين الدولة والمجتمع.

3) الاقتصاد هو ساحة السياسة الحقيقية

التحولات في فنزويلا تقول شيئًا واضحًا: الاقتصاد ليس ملفًا تقنيًا، بل هو السياسة نفسها.

أي دولة يمكنها أن ترفع سقف الخطاب السياسي، لكن إذا فقدت القدرة على إنتاج الدخل بشكل مستدام، وضبط العملة والأسعار، وبناء الثقة في المؤسسات، فإن النظام السياسي يدخل مرحلة “الاستنزاف”، حتى لو بقي متماسكًا شكليًا لفترة.

والعالم العربي أمام مفارقة معروفة: دول غنية بالموارد، ودول فقيرة بالموارد، ودول وسط بينهما—لكن القاسم المشترك أن أي هزة طويلة في الأسعار أو الاستثمارات أو فرص العمل يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة سياسية، لأن الاقتصاد هو الرافعة التي تحمل كل شيء.

4) العقوبات ليست ضربة واحدة… بل تآكل طويل

من أهم الدروس التي تُقرأ عربيًا: العقوبات لا تعمل كزرّ إسقاط سريع، لكنها تعمل كمسار استنزاف: تقلّص خيارات التمويل، ترفع كلفة التجارة، تضعف القدرة على تحديث البنى التحتية، وتُحوّل الدولة تدريجيًا إلى إدارة أزمات بدل أن تكون إدارة تنمية.

في العالم العربي، حيث خبرت عدة دول أشكالًا مختلفة من القيود والعزلة، تصبح هذه الرسالة مضاعفة: الخطر ليس “العقوبة” وحدها، بل ما تفعله بالاقتصاد وبثقة الناس وبقدرة الدولة على تقديم الحد الأدنى من الوظائف والخدمات.

5) الدولة الريعية ليست محصّنة تلقائيًا

فنزويلا دولة نفطية، ومع ذلك لم يحمها النفط من الانهيار الاقتصادي العميق. الدرس هنا ليس أن “النفط عديم الفائدة”، بل أن الاعتماد على مورد واحد دون مؤسسات قوية وتخطيط واستثمار طويل الأمد يجعل الدولة قابلة للاهتزاز.

في العالم العربي، هذا الدرس حساس للغاية، لأن جزءًا كبيرًا من الاستقرار في بعض الدول ارتبط تاريخيًا بالإنفاق العام. لكن الإنفاق وحده لا يصنع مناعة دائمة إذا غابت الإنتاجية، أو تراجعت الثقة، أو ضعفت القدرة على خلق فرص عمل حقيقية خارج الدولة.

6) الإعلام لا يصنع واقعًا… لكنه يسرّع الانقسام

أزمات مثل فنزويلا تتحول سريعًا إلى مادة في السجالات العربية: فريق يستخدمها كتحذير من الانهيار الاقتصادي، وفريق يستخدمها كدليل على “تآمر خارجي” أو “حرب اقتصادية”. كلا الاستخدامين مفهوم، لكن الخطر أن يتحول الجدل الإعلامي إلى بديل عن الاعتراف بالسبب الأهم:
الأزمات الكبيرة لا تُحل بالشعارات، بل بإصلاحات قاسية وشفافة وثقة تُبنى من جديد.

وهذا ما ينبغي فهمه عربيًا: الخطاب قد يكسب جولة، لكنه لا يكسب الحرب إذا كانت معركة الناس اليومية تُدار بلا حلول.

7) الخلاصة: الاستقرار هو ثقة… والثقة مورد نادر

في النهاية، كل الرسائل السابقة تُختزل في واحدة: الدولة لا تسقط فقط حين تنهزم سياسيًا؛ تسقط حين يفقد الناس الثقة بأنها قادرة على الغد.

الثقة تُبنى ببطء—وبخطوة بعد خطوة—لكنها يمكن أن تتبخر بسرعة عندما تتكرر الأزمات دون تفسير مقنع، أو عندما تبدو الدولة غير قادرة على تصحيح المسار. وهذه الرسالة هي الأكثر إلحاحًا للعالم العربي اليوم: الاستقرار ليس صورة قوية للدولة فقط، بل هو قدرة الدولة على أن تكون “متوقعة وعادلة وفعّالة” في نظر مواطنيها.

خاتمة: لماذا يجب أن نهتم؟

لأن فنزويلا تذكير بأن الدول لا تُفاجَأ بالانهيار. الانهيار يأتي عادةً بعد سنوات من تآكل اقتصادي وثقة مكسورة وتصلّب سياسي.

ولهذا فإن القراءة العربية الأكثر نضجًا ليست: “مَن مع مَن؟” بل: ما الذي يمنع تكرار السيناريو؟
الجواب ليس في التحالفات وحدها، ولا في الأمن وحده، ولا في الإعلام وحده. الجواب في نقطة واحدة: إصلاح الداخل قبل أن يفرض الخارج شروطه.

 


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *