كشف الناشط والمدون الليبي أسامة الشحومي عن معطيات وصفها بـ«الخطيرة» تتعلق بما سماه محاولات التغلغل الأوكراني في ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي، عبر أنشطة يُتهم بها الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر أندري بايوك، مشيرًا إلى استغلال الغطاء الدبلوماسي في تمرير تحركات ذات طابع أمني وعسكري.
وأوضح الشحومي في تصريحاته الخاصة لـ”مركز المستقبل”، أن أندري بايوك يشغل في الوقت نفسه مهام ملحق عسكري لبلاده في كل من ليبيا والجزائر وموريتانيا، لافتًا إلى أن إقامته الأساسية في الجزائر تعود إلى الاستقرار الأمني النسبي وقوة الأجهزة الاستخباراتية هناك، مع تجنبه تنفيذ أي أنشطة مباشرة قد تُعد خرقًا واضحًا من الأراضي الجزائرية، اعتمادًا على الحصانة الدبلوماسية.
موريتانيا كممر عبور وشبهات تهريب السلاح
وأشار الشحومي إلى أن موريتانيا تُستخدم، بحسب تقديراته، كنقطة عبور لشحنات أسلحة موجهة إلى مالي، مستغلة ضعف الرقابة الأمنية مقارنة بالجزائر، مضيفًا أن هذه المسارات غير المباشرة تقلل من فرص الرصد والمساءلة.
وأضاف أن هناك تعاونًا قائمًا بين بايوك وحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في سياق وصول طائرات مسيّرة أوكرانية إلى ليبيا عبر مسارات غير مباشرة، من بينها أذربيجان ومسارات بديلة أخرى.
لقاءات رسمية وصفقات محتملة
وفي ما يتعلق بالحديث عن لقاءات سرية، قال الشحومي إن الأنباء المتداولة عن لقاء جمع بايوك بعبد السلام زوبي، وكيل وزارة الدفاع الليبية المعروف بلقب «أمر 111»، لا تثير الاستغراب، معتبرًا أن مثل هذا اللقاء «يبقى في إطار الطبيعي» بحكم الصفة الرسمية للطرف الليبي.
وتطرق الشحومي إلى مشروع تطوير منظومة الدفاع الجوي الليبية القديمة من طراز S-125 Pechora، موضحًا أن عملية التحديث تمت عبر شركة ليتوانية وُصفت بأنها واجهة، في حين أن الشركة المنفذة فعليًا أوكرانية وتحمل اسم Altimus Tech، ومتخصصة في تحديث المعدات العسكرية السوفيتية.
الموقف الجزائري… صمت محسوب وحسابات جيوسياسية
وحول الموقف الجزائري، أكد الشحومي أن أجهزة الاستخبارات الجزائرية على دراية بتحركات الملحق العسكري الأوكراني، غير أن القوانين الدولية لا تتيح للدولة المضيفة اتخاذ إجراء بحقه إلا في حال توافر أدلة قانونية قاطعة.
وأضاف أن أي تساهل محتمل قد يرتبط بحسابات جيوسياسية معقدة في منطقة الساحل، خاصة ما يتصل بملف أزواد في مالي، مع التشديد على أن الجزائر غير متورطة في الأنشطة المنسوبة إليه.
استراتيجية أوكرانية أوسع في إفريقيا
وربط الشحومي هذه التحركات باستراتيجية أوكرانية أوسع تهدف إلى توسيع النفوذ في القارة الإفريقية وموازنة الحضور الروسي، لا سيما بعد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية عام 2022، مشيرًا إلى تنامي النشاط الدبلوماسي والأمني لكييف في غرب إفريقيا، خصوصًا في مالي.
ليبيا بين الميليشيات وصراع النفوذ
وفي الشأن الليبي الداخلي، نفى الشحومي وجود أي صلة بين أنشطة بايوك وحادثة تحطم طائرة رئيس أركان الجيش الليبي الراحل محمد الحداد، واصفًا الربط بين الأمرين بأنه «توظيف سياسي وعاطفي».
وأكد أن موازين القوة الحقيقية في غرب ليبيا لا تزال بيد شبكات الميليشيات المحلية، وعلى رأسها ميليشيات مصراتة، التي تتحكم – بحسب وصفه – في مسارات تهريب الوقود والذهب نحو الجنوب.
منطقة رمادية تزيد تعقيد المشهد الإقليمي
ويخلص الشحومي إلى أن هذه الوقائع تعكس صورة مركبة لأنشطة تقع في منطقة رمادية بين الدبلوماسية والتجارة العسكرية والعمل الأمني.
ورغم نفي أوكرانيا المتكرر لمثل هذه الاتهامات واعتبارها جزءًا من حملات دعائية مضادة، فإن تعدد الإفادات والتقارير يشير، بحسب رأيه، إلى تحركات فعلية تستفيد من هشاشة الأوضاع الأمنية والصراعات المفتوحة في ليبيا ومنطقة الساحل، بما يفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة.
إدارة الفوضى لا خرق عابر
قال الكاتب الصحفي عمر البدري في تصريح خاص لـ”مركز المستقبل” إن ما يجري في ليبيا لم يعد يُصنَّف كخرقٍ عارض

لحظر السلاح أو نتيجة مباشرة لهشاشة أمنية فقط، بل تحوّل إلى نموذج متكامل لإدارة الفوضى، تُستخدم فيه الدبلوماسية كواجهة، والحصانة كأداة، والحكومات الهشّة كغطاء، مضيفًا أن السلاح اليوم لا يُهرَّب إلى ليبيا بقدر ما يُمرَّر عبرها وباسمها.
الدبلوماسية كقناة لنشاط عسكري غير معلن
وأضاف البدري أن الدور المنسوب إلى الملحق العسكري الأوكراني أندري بايوك لا يمكن قراءته كحالة فردية أو استثناء دبلوماسي، بل يأتي في سياق تحوّل أخطر يتمثل في تحويل الأدوات الدبلوماسية إلى قنوات لنشاط عسكري غير معلن داخل مسارح نزاع منخفضة الرقابة، وفي مقدمتها ليبيا ودول الساحل الإفريقي.
وأوضح أن هذا النمط بات معروفًا ضمن ما يُعرف بـ“عمليات المنطقة الرمادية”، حيث لا يعمل الملحق العسكري كممثل بروتوكولي تقليدي، بل كمنسّق شبكات وداعم تقني ووسيط لوجستي.
الحصانة الدبلوماسية ومسارات كسر الحظر
وأشار البدري إلى أن هذا التحول استند إلى استغلال ممنهج للحصانة الدبلوماسية ومسارات عبور عابرة للحدود، شملت دولًا مثل أذربيجان ونقاط منخفضة الانتباه في الساحل الإفريقي، لتمرير مكوّنات أسلحة وطائرات مسيّرة تحت مسميات مدنية أو أمنية، بعيدًا عن الرقابة المباشرة.
وأضاف أن تحقيقات استقصائية موثقة كشفت كيف تحوّلت بعض شركات الشحن إلى عُقد لوجستية مركزية في شبكات كسر حظر السلاح.
الغطاء المحلي ودور حكومة الوحدة الوطنية
وأوضح البدري أن الإشكال الأخطر لا يقتصر على الجهات التي تمرّر السلاح، بل يمتد إلى الغطاء المحلي الذي يسمح بحدوث ذلك، معتبرًا أن حكومة الوحدة الوطنية، بصفتها السلطة المعترف بها دوليًا، لم تعد قادرة على الادعاء بأنها خارج هذه المعادلة.
وأضاف أن الصمت عن أشكال التعاون العسكري غير الشفاف، وغضّ الطرف عن تحركات تتجاوز الأعراف الدبلوماسية، وعدم إخطار لجنة العقوبات بأي استثناءات أو ترتيبات، يجعل الحكومة شريكًا صامتًا في تفريغ حظر السلاح من مضمونه القانوني والسياسي.
الصمت الجزائري وتعقيد المشهد الإقليمي
وتابع البدري أن المشهد يزداد تعقيدًا مع الصمت الجزائري تجاه تحركات من هذا النوع، متسائلًا عمّا إذا كان هذا الصمت يعكس توازنًا جيوسياسيًا محسوبًا تتفادى به الجزائر الانخراط في صراعات الآخرين، أم أنه نتيجة قيود قانونية ناجمة عن غياب الأدلة القاطعة في ظل نشاط منخفض التوقيع.
وأضاف أنه في كلتا الحالتين، تبقى النتيجة واحدة، وهي فراغ رقابي خطير يغذّي عسكرة منطقة الساحل، ويحوّل ليبيا إلى حلقة وصل في صراع دولي يتجاوز حدودها وقدرتها على التحكم فيه.
ليبيا ساحة عبث لا دولة ذات سيادة
وختم البدري تصريحه بالقول إن تحوّل الدبلوماسية إلى غطاء، والحكومة إلى وسيط، والصمت الإقليمي إلى سياسة، يعني أن ليبيا ستظل ساحة عبث مفتوحة، لا دولة ذات سيادة، تُدار فيها الأزمات وفق حسابات الآخرين لا وفق مصالح شعبها أو مقتضيات القانون الدولي.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 