في مشهد يعكس تحولاً جوهرياً في السياسات الغربية، تتقاطع قرارات حظر السفر الأمريكية مع الحملات الأوروبية الداعية لعودة اللاجئين السوريين، لتخلق معاً ضغوطاً هائلة على مجتمع لاجئين يعاني أصلاً من وطأة النزوح وعدم اليقين. فبينما تُغلق واشنطن أبوابها رسمياً أمام السوريين عبر إدراج سوريا ضمن قائمة الحظر الكامل، تدفع عواصم أوروبية كبرى نحو إنهاء الحماية الدولية لهم تحت ذريعة “انتهاء الأسباب”، متجاهلةً واقعاً معيشياً وأمنياً كارثياً في الداخل السوري.
التأثير الرمزي لإغلاق الباب الأمريكي
قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإضافة سوريا إلى قائمة الحظر الكامل للسفر لم يكن مفاجئاً في سياق سياساتها، لكنه يحمل دلالات بالغة الأهمية. فهو، أولاً، يعزل السوريين عن أحد المسارات المحدودة أصلاً للهجرة الآمنة. وثانياً، وهو الأكثر خطورة، يمنح شرعية سياسية وإطاراً أمنياً للحكومات الأوروبية الراغبة في تشديد سياستها.
فإذا كانت الولايات المتحدة، القوة العظمى، تعتبر سوريا بلداً يشكل تهديداً أمنياً يمنع دخول مواطنيه، فكيف يمكن لأوروبا أن تستمر في منح سوريين الحماية الدولية؟ يستغل الخطاب السياسي في بعض الدول الأوروبية هذا التناقض الظاهري للضغط نحو “حل نهائي” يتمثل في العودة.
الضغوط الأوروبية من “الحماية” إلى “الإعادة”
أعلن وزير التعاون الإنمائي والمساعدات الخارجية السويدي، بنيامين دوسا، في تصريحاته لقناة TV4، عن توجه حكومي لإعادة مواطنين سوريين أدينوا بجرائم في السويد إلى بلدهم الأصلي، مؤكدًا أن سوريا ملزمة قانونيًا باستقبال رعاياها. وأضاف بأن عدد السوريين المستهدفين بالترحيل 128 شخصًا مبدئياً، وأوضح أن ستوكهولم توصلت إلى تفاهم مع السلطات السورية للتعامل مع هذا الملف.
كما دافع الوزير عن اتفاق مثير للجدل يقضي بتقديم مساعدات مالية للصومال بقيمة 100 مليون كرونة سويدية، مقابل موافقة مقديشو على استقبال 25 مواطنًا صوماليًا جرى ترحيلهم من السويد بعد إدانتهم بجرائم خطيرة. وربط دوسا المساعدات بالحوار والتعاون المشروط، بدلًا من تقديمها بشكل تلقائي، وأشار إلى أن هذا النهج ليس استثناءً سويديًا، حيث تعتمد دول مثل الدنمارك سياسات مماثلة.
وكانت الفترة الماضية قد شهدت تصعيداً ملحوظاً في الخطاب والسياسات الأوروبية تجاه اللاجئين السوريين، حيث علقت دول مثل الدنمارك والسويد وألمانيا والنمسا فحص طلبات اللجوء الجديدة من السوريين، وبدأت بإعادة فحص وضع الحماية للمقيمين فيها، معلنة أن سقوط نظام الأسد في أواخر 2024 يعني زوال خطر الاضطهاد السياسي الذي كان أساس منح اللجوء.
كما قدمت عدة دول، بدرجات متفاوتة، حزماً مالية وإجرائية لتشجيع العودة “الطوعية”، مثل المساعدة النقدية المحدودة وتسهيل إجراءات السفر. لكن هذه “الطوعية” تتعرض لشكوك كبيرة عندما تُطرح في مناخ عام معادٍ للهجرة، وتحت وطأة تهديد بفقدان حق الإقامة أو الوصول إلى الخدمات.
فيما اكتسب ضغط تركيا، التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين، أهمية خاصة، حيث قام سياسيون أتراك مثل مراد باكان بدعوات لإنهاء حالة الحماية المؤقتة وإعادة السوريين “بشكل منظم”، ووضع حلفاء أنقرة الأوروبيين في موقف حرج، وخلق دافعاً للبحث عن حلول مشتركة قد تكون على حساب حقوق اللاجئين.
لماذا تشكل العودة انتهاكاً؟
الإصرار الأوروبي على تصوير سوريا كبلد أصبح جاهزاً لاستعادة مواطنيه يتناقض تناقضاً صارخاً مع كل الوقائع والتقارير الدولية، ويشكل انتهاكاً واضحاً لمبدأ “عدم الإعادة القسرية (non-refoulement)” الذي يعد حجر الزاوية في القانون الدولي للاجئين. هذا المبدأ يمنع إعادة الأفراد إلى بلدان حيث يواجهون تهديداً للحياة أو الحرية.
فواقع سوريا اليوم، بعد سنوات من الحرب التي أنهكت البنى التحتية والاجتماعية، يجعل من المستحيل ضمان شروط العودة الآمنة والكريمة. حيث يعتمد أكثر من 90% من السوريين على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة. فيما يعاني القطاع الصحي من دمار هائل، وتنتشر الأمراض وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال.
وقد انهارت العملة الوطنية، ووصلت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية. كما أن انقطاع الكهرباء والمياه أصبحا معياراً للحياة اليومية، وانهارت القدرة على تأمين الغذاء والدواء. فيما لا تزال مناطق كبيرة في سوريا غير خاضعة لسيطرة الحكومة وهناك صراع على النفوذ وانقسام متباين يعقّد الأمور.
حيث أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بتنظيم لجان محلية في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب مظاهرات شعبية حاشدة، اليوم، للمطالبة بفكّ الحصار الفوري عن الأحياء الثلاثة، لتأمين وقود التدفئة للمدارس، والإشارة إلى خطورة حجم المعاناة التي يواجهها قطاع التعليم، ولإيصال صوتهم إلى المنظمات الإنسانية والجهات المعنية من أجل التدخل العاجل ووقف الممارسات التي تهدد سلامة الطلبة وتعرقل العملية التعليمية.
كما أن سقوط النظام السابق لم يحل نزاع السلطة، بل فتح مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، حيث وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال شهر كانون الأول الجاري وقوع سلسلة من الجرائم العنيفة في عدة محافظات سورية، أسفرت عن مقتل 18 شخصًا بينهم نساء وأطفال.
وتراوحت دوافع هذه الجرائم بين خلافات عائلية ومطالب ثأرية، إلى جانب استهدافات مجهولة، ما يعكس تصاعدًا ملحوظًا في حوادث العنف المسلّح وانتشار السلاح غير المنضبط في مناطق متعددة، وهو ما يزيد من المخاطر الأمنية ويثير القلق لدى السكان المحليين. ناهيك عن التصاعد اللافت في نشاط التيارات الإسلامية المتشددة وتنامي نفوذها، وإستعادة تنظيم داعش الإرهابي لنشاطه في مناطق متفرقة، مستفيداً من فراغ السلطة واليأس الاجتماعي، مما يهدد الأمن المحلي.
إضافة الى ذلك، يُعتبر إستمرار الإعتداءات الإسرائيلية على أراضي سوريا، والتي كثيراً ما توقع المدنيين قتلى وجرحى تعميقاً لحالة انعدام الاستقرار. حيث بلغ عدد القتلى جرّاء هجوم إسرائيلي واحد على بلدة بيت جن في جنوب سوريا، أواخر الشهر الماضي، 13 قتيلاً. وفي السياق ذاته، أكدّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال مؤتمر السفراء الأتراك حول العالم في أنقرة، أن ممارسات إسرائيل العدائية ضد سوريا تشكل أكبر عقبة لتحقيق الاستقرار فيها.
من المسؤولية الإنسانية إلى المقاربة الأمنية
يرى الإعلامي والكاتب السياسي حسن فقيه أن قرار الحظر الأمريكي على دخول السوريين أسهم في إعادة تعريف

أزمة اللجوء، محولًا إياها من مسؤولية إنسانية مشتركة إلى قضية سيادية وأمنية. فحين تتخذ الولايات المتحدة، بوصفها فاعلًا دوليًا مركزيًا، خطوة إقصائية تجاه اللاجئين، فإنها لا تكتفي بتغيير قواعد اللعبة، بل تمنح الدول الأوروبية شرعية سياسية ضمنية لتبني سياسات أكثر تشددًا دون أن تبدو خارج الإجماع الغربي.
شرعنة التراجع الأوروبي عن سياسات الاستقبال
ويضيف فقيه أن القرار الأمريكي أتاح للأوروبيين تبرير التراجع عن سياسات الاستقبال بحجة “تقاسم الأعباء غير العادل”. فلم تعد أوروبا تشعر بأنها الطرف الوحيد المنفتح، ما سهّل الانتقال من خطاب الحماية إلى خطاب الردع والاحتواء، وغيّر المزاج السياسي العام تجاه ملف اللجوء.
التعارض مع مبدأ عدم الإعادة القسرية
وحول الدعوات الأوروبية لإعادة اللاجئين السوريين، يؤكد فقيه أنها تتعارض قانونيًا مع مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو مبدأ راسخ في اتفاقية جنيف لعام 1951 ويُعد من قواعد القانون الدولي العرفي الملزمة. فإعادة اللاجئين إلى بلد لا تزال فيه مخاطر الاضطهاد والاعتقال والتجنيد القسري وغياب الحماية القانونية قائمة—even تحت مسمى “العودة الطوعية”—تُفرغ هذا المبدأ من مضمونه، لا سيما عندما تُمارس ضغوط غير مباشرة مثل تقليص الإقامات أو سحب المساعدات.
سوريا اليوم: واقع غير آمن وتعقيدات متراكمة
يشدد فقيه على أن الوضع في سوريا لم يستقر بعد، بل يشهد تعقيدات وأزمات عميقة، حتى في ظل الحكومة الراهنة والسلطة الانتقالية. فهناك نزاعات ذات طابع دولي وإقليمي، وتوترات بين قوى محلية ودولية، إضافة إلى أشكال اضطهاد على أساس ديني ومناطقي كما حدث في الساحل والسويداء، فضلًا عن غياب بنية دولة حقيقية. ويخلص إلى أن سوريا، حتى اليوم، تعاني بشكل كبير ولا توفر شروط الأمان للعودة.
العودة “الطوعية” أم إدارة العبء الداخلي؟
يتساءل فقيه عن مدى تعبير الضغط نحو “العودة الطوعية” عن محاولة أوروبية للتخلص من عبء اللجوء على حساب سلامة السوريين، معتبرًا أن هذا الضغط يعكس بدرجة كبيرة تحولات في الأولويات الأوروبية من حماية الإنسان إلى إدارة العبء السياسي والاقتصادي الداخلي.
خطاب يمتص اليمين المتطرف
ويضيف أن الخطاب الأوروبي حول العودة الطوعية يُستخدم غالبًا كأداة لتخفيف الضغط عن أنظمة اللجوء وامتصاص صعود اليمين المتطرف، أكثر مما يستند إلى تقييم موضوعي للأوضاع الأمنية في سوريا. وبهذا تصبح سلامة اللاجئ متغيرًا ثانويًا أمام اعتبارات الاستقرار السياسي الداخلي، ما يعني عمليًا نقل المخاطر من أوروبا إلى اللاجئين أنفسهم.
مسؤولية أخلاقية وقانونية لا يمكن تجاهلها
يؤكد فقيه أن أوروبا والغرب يتحملان مسؤولية أخلاقية وقانونية عن أزمة اللجوء السوري. فالتدخلات السياسية والعسكرية غير المتوازنة، والتقاعس عن حماية المدنيين، وفشل المجتمع الدولي في فرض حل سياسي عادل، كلها عوامل أسهمت في إطالة أمد الصراع ودفع ملايين السوريين إلى النزوح. كما أن قوى إقليمية ودولية كانت جزءًا من الحرب التي شهدتها سوريا، والتي تشابكت فيها مصالح تحت شعارات متعددة لم يكن هدفها الحقيقي حماية الشعب السوري.
تناقض الخطاب والممارسة
ويختم فقيه بالتأكيد على أن الدول الغربية، بصفتها أطرافًا موقعة على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان واللاجئين، ملزمة قانونيًا بحماية الفارين من نزاعات كانت جزءًا من سياقها السياسي أو العسكري. وعليه، فإن تشديد سياسات اللجوء دون معالجة الجذور البنيوية للأزمة يمثل تناقضًا صارخًا بين الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والممارسات الفعلية على الأرض.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 