محكمة الجنايات الدولية بين العدالة والانتقائية: قراءة نقدية في ضوء حوار مع د. مبروك أبو عميد

في ظل عالمٍ يتسارع فيه توظيف القانون في الصراعات السياسية، تبرز المحكمة الجنائية الدولية كإحدى أكثر المؤسسات إثارة للجدل، ليس بوصفها أداة للعدالة فحسب، بل كفاعل مؤثر في موازين القوة الدولية.

ومع تجدد النقاش حول دورها في ليبيا وغيرها من مناطق النزاع، يفرض سؤال جوهري نفسه بقوة وهو هل تمارس المحكمة وظيفتها كجهاز قضائي مستقل يسعى إلى إنصاف الضحايا، أم أنها أصبحت جزءًا من منظومة سياسية أوسع تُفعَّل فيها العدالة حين تتوافق مع المصالح وتُجمَّد حين تتعارض معها؟

هذا التقرير يفتح باب المساءلة الهادئة حول طبيعة العدالة الدولية، وحدود سيادتها، ومأزق الانتقائية في تطبيق القانون، من خلال مقاربة تحليلية تتقاطع فيها القراءة القانونية مع السياق السياسي، وتضع الحالة الليبية في قلب هذا الجدل، باعتبارها نموذجًا كاشفًا للتوتر المزمن بين مطلب العدالة وحسابات النفوذ الدولي.

محكمة أنشأها المنتصرون

يرى الدكتور أبو عميد أن الإشكال الجوهري في المحكمة الجنائية الدولية لا يكمن فقط في ممارساتها الحالية، بل في أصل نشأتها، إذ يعتبرها امتدادًا لمنظومة دولية أنشأتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية لتكريس هيمنتها السياسية والقانونية.

ويؤكد أن هذه المحكمة لم تكن يومًا محايدة بالكامل، بل استُخدمت كأداة لإخضاع الدول الضعيفة، خصوصًا في إفريقيا والشرق الأوسط.

ويشير أبو عميد إلى ملاحظة لافتة تتكرر في تقارير حقوقية وإعلامية عديدة، وهي تركّز المحكمة شبه الحصري على القضايا الإفريقية، مقابل تجاهلها لجرائم موثقة ارتُكبت في فلسطين وغزة ولبنان، أو خلال الغزو الأمريكي للعراق، فضلًا عن امتناعها عن مساءلة قادة غربيين تورطوا في عمليات عسكرية أودت بحياة آلاف المدنيين.

ويعتبر الدكتور أبو عميد أن هذا السلوك يعكس ازدواجية صارخة في تطبيق القانون الدولي، ما يجعل المحكمة، بحسب وصفه، “محكمة عنصرية بامتياز”، تطبق القانون على دول بعينها، وتتجاهله حين يتعلق الأمر بحلفاء القوى الكبرى.

ليبيا: بين الحاجة للعدالة وغياب السيادة

ورغم هذا النقد الحاد، يقرّ أبو عميد بوجود جانب إيجابي محدود للمحكمة في السياق الليبي، حيث شكّلت في بعض المراحل عامل ردع وضغط على الميليشيات والمجرمين في ظل غياب الدولة وانهيار منظومة القضاء الوطني بعد عام 2011، إلا أنه يلفت إلى أن هذا الدور ظل انتقائيًا، بدليل تجاهل المحكمة لملفات إنسانية واضحة، من بينها قضايا اعتداءات على مدنيين لا علاقة لهم بالسياسة.

استهداف أشخاص لا مبادئ

تطرق أبو عميد إلى نمط متكرر في عمل المحكمة، يتمثل في استهداف شخصيات بعينها، مثل معمر القذافي، وسيف الإسلام القذافي، وعمر البشير، في مقابل “إعادة تدوير” شخصيات أخرى كانت مصنّفة سابقًا على قوائم الإرهاب، واضاف انه ثم جرى رفع الغطاء عنها حين انسجمت مع سياسات القوى الكبرى، وهو ما يعزز، وفق المتحاورين، فكرة أن المحكمة تتحرك وفق الحسابات السياسية لا المبادئ القانونية.

دعوة لحملة إعلامية وبدائل إقليمية

في ختام شدد الدكتور أبو عميد على أن أي مشروع بديل، سواء عربي أو إفريقي، لن ينجح ما لم يُسبق بحملة إعلامية واسعة تفضح تسييس المحكمة الجنائية الدولية، وتهيئ الرأي العام لرفض شرعيتها الأخلاقية.

كما عبّر عن تشككه في قدرة الأنظمة الحاكمة على خوض هذا المسار، معتبرًا أن الشعوب والنخب المستقلة هي الطرف الأقدر على تحريك هذا الملف.

العالم يتغير… وموازين القوة كذلك

ربط أبو عميد في تحليله بين عمل المحكمة الجنائية الدولية والتحولات الجيوسياسية العالمية، معتبرًا أن الصراع الحقيقي اليوم ليس بين روسيا والغرب، بل يتمحور حول صعود الصين كقوة مهددة للنظام الدولي القائم، وأن كثيرًا من الأزمات، بما فيها الشرق الأوسط وليبيا، تُدار في هذا السياق الأكبر.

يعكس هذا الحوار قناعة متزايدة لدى قطاع واسع من المثقفين العرب والأفارقة بأن المحكمة الجنائية الدولية لم تعد رمزًا للعدالة العالمية، بل أداة سياسية تُستخدم بانتقائية. وبينما تبقى العدالة مطلبًا إنسانيًا لا غنى عنه، فإن غياب المساواة في تطبيقها يفرغها من معناها، ويفتح الباب أمام البحث عن بدائل أكثر عدلًا واستقلالية.

مجلس الأمن وخطاب بلا أثر

وفي السياق ذاته قال الكاتب الصحفي عمر البدري إن مع كل جلسة جديدة لمجلس الأمن حول

الكاتب الصحفي عمر البدري

ليبيا، ومع كل بيان يعيد التذكير بضرورة “التعاون مع محكمة الجنايات الدولية”، يتكرر المشهد ذاته، حيث يرتفع الخطاب القانوني بينما يزداد الواقع الليبي إفلاتًا من العقاب.

وأضاف أن أكثر من عقد مرّ على إحالة الملف الليبي إلى المحكمة دون أن تتحقق العدالة أو تُغلق ملفات الجرائم الكبرى، بل تحولت العدالة الدولية نفسها إلى جزء من إدارة الصراع بدلًا من حله.

إحالة 2011: قرار سياسي لا مسار قضائي

وأوضح البدري أن إحالة ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2011 لم تكن مسارًا قضائيًا طبيعيًا، بل قرارًا سياسيًا جاء في لحظة تدخل دولي، فُرضت خلالها وصاية قانونية على دولة منهارة السيادة.

وأضاف أن الدول التي قادت هذا المسار لم تلتزم أصلًا بالمحكمة، لكنها استخدمتها حيث لا كلفة سياسية، ما جعل العدالة في ليبيا انتقائية منذ بدايتها.

وأشار البدري إلى أن الأخطر يتمثل في استمرار بعض الفاعلين الليبيين في التعامل مع المحكمة بمنطق المنفعة، حيث يُرفع شعار التعاون معها حين يخدم شرعية خارجية أو إقصاء خصوم سياسيين، ويُفرغ من مضمونه عندما يقترب من جرائم حلفاء الأمر الواقع، مضيفاً أن العدالة تحولت بذلك من مسار محاسبة إلى أداة تفاوض سياسي.

جرائم بلا مساءلة بعد 2011

وأكد البدري أن الداخل الليبي لا يزال يعاني من غياب المحاسبة عن جرائم موثقة بعد عام 2011، تشمل التهجير القسري، والسجون خارج إطار القانون، والتعذيب، والاغتيالات.

وأضاف أن هذا الغياب لم يكن عجزًا تقنيًا، بل خيارًا سياسيًا فرضته ترتيبات دولية تحمي الفاعلين الذين يُنظر إليهم على أنهم مفيدون للاستقرار الشكلي.

بدائل العدالة الدولية: الرفض وحده لا يكفي

وقال البدري إن الحديث المتجدد عن بدائل عربية أو أفريقية يعكس رفضًا مفهومًا لازدواجية العدالة الدولية، لكنه لا يكفي بمفرده. وأضاف أن العدالة لا تُبنى بتبديل الوصاية، بل بإرادة وطنية حقيقية تؤسس لقضاء مستقل وعدالة انتقالية شاملة، مع تعاون دولي تكميلي لا مهيمن.

واختتم البدري تصريحه بالتأكيد على أن ما تتجاهله بيانات مجلس الأمن هو أن المحكمة الجنائية الدولية في ليبيا لم تكن طريق العدالة، بل مرآة لاختلال دولي وتواطؤ محلي. وأضاف أنه ما لم تُستعاد العدالة كقيمة وطنية لا كشعار أممي، ستظل كل جلسة دولية مجرد إعادة تدوير لفشل مستمر.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *