تدخل المحكمة الجنائية الدولية في الشأن الليبي: عدالة دولية أم تجسيد للانقسامات المحلية والضغوط السياسية؟

تستمر إشكالية العلاقة بين الولاية القضائية الوطنية والدولية في إثارة الجدل، خاصة في الحالات المعقدة كالوضع الليبي.

حديثاً، أعادت الإجراءات المتعلقة بقضية خالد الهيشري، أمام المحكمة الجنائية الدولية، التركيز على هذه الإشكالية، حيث ان السؤال المطروح على الساحة هو مدى مشروعية تدخل المحكمة في غياب طلب رسمي من القضاء الليبي، ومدى استقلالية هذه المؤسسة الدولية عن التأثيرات السياسية، وإمكانية وجود بدائل إقليمية تحقق العدالة بعيداً عن شبهة التسييس.

مبدأ التكامل في مهب الريح: التدخل دون طلب ليبي

يرى المحلل السياسي حسام الدين العبدلي ان المبدأ الأساسي الذي تنص عليه نظامية روما، وهو أن المحكمة الجنائية الدولية تعمل على مبدأ “التكامل” مع الأنظمة القضائية الوطنية وليس “البديل” عنها، ما لم تكن تلك الأنظمة عاجزة أو غير راغبة في التحقيق والمحاكمة. هنا تبرز نقطة الخلاف حيث أن تدخل المحكمة في قضية الهيشري جاء دون أن يطلب منها القضاء الليبي ذلك رسمياً.

وأشار العبدلي الى ان هذا التدخل سببه طبيعة الوضع الليبي “الاستثنائي”، مشيراً إلى الانقسام السياسي والعسكري والأمني الذي تعيشه البلاد، والذي امتد حتى إلى مؤسسة القضاء التي تبدو في الظاهر موحدة. كما يلفت إلى أن الهيشري، كمسؤول كبير في سجن معيتيقة التابع لجهاز الردع، قد يكون محمياً ضمن هياكل معترف بها محلياً، وأن القضاء الليبي ربما لا يملك معلومات كافية عن الجرائم المزعومة، والتي بنيت أساساً على شهادات ليبيين ومهاجرين وصلوا إلى أوروبا.

سؤال التسييس: هل المحكمة أداة بيد الغرب؟

تطرق العبدلي إلى الاتهامات الموجهة للمحكمة الجنائية الدولية بأنها أصبحت أداة سياسية بيد دول الغرب، خاصة في ظل مفارقة محاكمة أشخاص من دول معينة بينما يبدو البعض الآخر، مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بمنأى عن المحاسبة الفعلية رغم الدعاوى المرفوعة ضده.

وقال العبدلي انه لا يمكن وصف المحكمة بأنها “أداة سياسية بيد الغرب” بشكل مطلق، مستشهداً بوجود دعاوى ضد نتنياهو. لكنه أكد في الوقت ذاته بوجود ضغط سياسي واضح على المحكمة الجنائية الدولية من قبل دول الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وهو دليل على الهشاشة التي تعاني منها المؤسسة الدولية في الحفاظ على حياديتها المطلقة وسط صراعات القوى العالمية.

محكمة عربية أو أفريقية: حلم مستحيل في واقع منقسم؟

بحكم أن القيم المجتمعية والدينية في ليبيا والعالم العربي تختلف عن بعض المرجعيات الغربية، هنالك فكرة مطروحة لإنشاء جسم قضائي عربي أو أفريقي موازٍ لمراعاة هذه الخصوصية وضمان حيادية يفترض أنها أكبر.

حيث يرى العبدلي أن نجاح هذه الفكرة على المستوى العربي صعب المنال نظراً للانقسامات العربية العميقة، حتى داخل إطار جامعة الدول العربية، وعدم قدرة الدول العربية على الاتفاق على موقف موحد في كثير من القضايا الإقليمية. كما يشير إلى واقع الانتهاك المتكرر للسيادة العربية، مما يجعل من الصعب تخيل قيام محكمة عربية “ذات سيادة مستقلة تقول رأيها حتى وإن كان ضد أي دولة”. أما على المستوى الأفريقي، فتبدو أكثر تفاؤلاً نوعاً ما نظراً إلى الصحوة الإفريقية في الآونة الأخيرة وظهور نوع من أنوع الوحدة القادرة على تحقيق العدالة.

بين العجز المحلي والعدالة الانتقائية

في الختام أكد المحلل حسام الدين العبدلي أن قضية الهيشري تجسد حالة من الالتباس المعقد. فهي من جهة، تعكس عجزاً مؤسسياً محلياً في ليبيا بسبب انقساماتها، مما قد يفتح الباب نظرياً للتدخل الدولي وفق مبدأ “التكامل”. ومن جهة أخرى، تثير شكوكاً عميقة حول نزاهة هذا التدخل ومدى خلوه من اعتبارات سياسية أو ثقافية، خاصة في ظل غياب التفاصيل الرسمية الكاملة من المحكمة الدولية.

قضية الهيشري وتناقض العدالة الدولية في ليبيا

قال الكاتب الصحفي عمر البدري إن قضية الهيشري تكشف بوضوح التناقض البنيوي في مسار العدالة الدولية داخل ليبيا،

الكاتب الصحفي عمر البدري

موضحًا أن تدخل المحكمة الجنائية الدولية، رغم استناده شكليًا إلى إحالة مجلس الأمن، جرى دون منح القضاء الليبي فرصة حقيقية لإثبات قدرته على المحاسبة، وهو ما يجعل هذا التدخل أقرب إلى تجاوز لمبدأ التكامل منه إلى دعم فعلي له.

وأضاف البدري أن إعلان حكومة عبد الحميد الدبيبة قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية حتى نهاية عام 2027 وفّر غطاءً قانونيًا مؤقتًا، لكنه لم يترافق مع أي إصلاح قضائي جاد أو توافق سياسي داخلي، الأمر الذي حوّل المحكمة إلى بديل اضطراري للعدالة الوطنية بدل أن تكون شريكًا تكميليًا لها، ما يكرّس هشاشة السيادة القضائية الليبية.

العدالة الانتقائية ومعايير المصالح الدولية

وأوضح البدري أن هذا النهج ليس استثناءً، بل يعكس نمطًا متكررًا في السلوك الدولي، حيث حظيت شخصيات مثل إبراهيم الجضران برعاية وزيارات رسمية رغم سجلها في الانتهاكات والسيطرة على الموانئ النفطية، ليس احترامًا للقانون، بل استنادًا إلى وزنها السياسي والعسكري في لحظة معينة، قبل أن يُعاد تصنيفها لاحقًا كمطلوبة للعدالة بمجرد تغيّر موازين المصالح، في نموذج صارخ للعدالة الانتقائية التي تخدم السياسة قبل الضحايا.

سوابق قضائية تؤكد هشاشة الاستقلال

وأشار البدري إلى أن التعامل مع طلبات المحكمة الجنائية الدولية في السابق يعكس المنطق ذاته، مستشهدًا بقضية لوكربي، حيث اتخذت ليبيا موقفًا معقدًا بين الضغوط الدولية والمصلحة الوطنية، أدى إلى تأجيل التنفيذ واللجوء إلى إجراءات محدودة داخل القضاء المحلي قبل التوصل إلى تسوية دولية لاحقة. وأضاف أن قضيتي أبو عجيلة المريمي، والقبض على أسامة نجيم ثم الإفراج عنه، تبرزان كيف أن القضاء الليبي، رغم امتلاكه القدرة النظرية على المحاكمة، ظل في كثير من الأحيان خاضعًا لتوازنات سياسية وضغوط خارجية، لا لمجرد الاعتبارات القانونية.

وأكد أن هذه الوقائع تثبت أن المشكلة لا تكمن في غياب القدرة القضائية، بل في محدودية استقلالها وارتهانها لمصالح دولية ومحلية متغيرة، وهو ما يقوّض الثقة في مسار العدالة برمته.

وهم الحصانة وسقوط أمراء المليشيات

وأضاف البدري أن الاعتقاد السائد لدى بعض الفاعلين المسلحين بأن القوة والنفوذ يوفران حصانة دائمة هو وهم سياسي هش، لافتًا إلى أن تجارب عديدة أظهرت أن أمراء مليشيات حظوا سابقًا برعاية أو صمت دولي انتهى بهم الأمر كورقة تفاوض أو قربان في صفقات سياسية، بمجرد تغيّر المصالح أو تراجع أهميتهم الميدانية.

بدائل العدالة الدولية وتجربة القضاء الوطني

وتابع البدري أن الحديث عن بدائل عربية أو أفريقية للعدالة الدولية يستدعي العودة إلى التجربة الليبية نفسها، مذكرًا بأنه في عام 1970 لجأت الدولة إلى الاستعانة بقضاة ومستشارين مصريين لدعم القضاء الوطني، دون المساس بالسيادة أو نقل العدالة خارج الحدود، وهو ما أثبت أن دعم القضاء يمكن أن يكون داخليًا وفعّالًا إذا توفرت الإرادة السياسية.

أزمة سيادة وعدالة وثقة

وختم البدري تصريحه بالتأكيد على أن ما تشهده ليبيا اليوم يتجاوز كونه ملفًا قضائيًا عابرًا، ليشكّل أزمة سيادة وعدالة وثقة، حيث تُفعّل العدالة الدولية عندما تتوافق مع المصالح السياسية، وتُهمّش عندما تتعارض معها، فيما يظل الضحايا الليبيون الطرف الأكثر تضررًا في منظومة عدالة انتقائية لا تنصفهم إلا حين تلتقي مع حسابات القوى الدولية.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *