بعد عام واحد فقط على تولي أحمد الشرع رئاسة سوريا في يناير 2025، تبدو البلاد عالقة بين مؤشرات تغيير حذرة وواقعٍ مثقل بإرث طويل من الانهيار.
فرغم التحركات الواسعة في السياسة الخارجية ومحاولات إعادة صياغة العلاقات الإقليمية، لا تزال التحديات الاقتصادية والأمنية والعسكرية ترسم ملامح مرحلة انتقالية معقدة.
وبين تفاؤل دولي محدود تدعمه وعود الاستثمارات ورفع جزء من العقوبات، وتوترات داخلية تتجدد بفعل العنف الطائفي وإعادة هيكلة المنظومة العسكرية، يجد السوريون أنفسهم أمام مشهد مضطرب يحاول الشرع تثبيته، بينما يبقى الاستقرار الحقيقي رهن اختبارات قاسية خلال عام 2025 وما بعده.
الوضع الاقتصادي
وفي هذا السياق يتوقع البنك الدولي نمواً اقتصادياً بنسبة 1% في 2025، مدعوماً برفع بعض العقوبات الغربية واستثمارات من السعودية وقطر بمليارات الدولارات.
رغم ذلك، لم ينعكس الدعم بعد على حياة الناس اليومية، مع استمرار آثار الحصار السابق والعزلة. يركز الشرع على إعادة بناء الاقتصاد، لكن التحديات مثل البطالة والتضخم تبقى قائمة.
وبالنسبة للوضع الأمني، اتسم العام بتصاعد أعمال العنف الطائفي والعرقي، مما أدى إلى إزاحات جديدة وفقدان الثقة لدى الأقليات تجاه الحكومة، حيث ساهمت جهود الأمم المتحدة في استقرار الخدمات الأساسية وعودة أكثر من مليون لاجئ، لكن الاستقرار لا يزال هشاً،يحاول الشرع استبدال نظام الأسد الأمني بآلية أكثر شمولاً، مع تركيز السلطة في يد دائرته الضيقة.
الوضع العسكري
أُعلن حل جميع الفصائل المسلحة واندماجها تحت وزارة الدفاع، بما في ذلك هيئة تحرير الشام والجيش السوري الجديد، فيما وقّع الشرع اتفاقاً مع قوات سوريا الديمقراطية لدمجها بحلول نهاية 2025، مع التزام بمكافحة بقايا نظام الأسد.
يسيطر حلفاء الشرع على المؤسسات العسكرية الرئيسية، مما يعزز السيطرة المركزية لكن يثير مخاوف من التركيز السلطوي
قراءة تحليلية

في قراءة تحليلية للمشهد السوري بعد مرور عام على التغييرات السياسية والميدانية الكبرى التي شهدتها البلاد، أدلى الإعلامي والكاتب الصحفي حسن فقيه بتصريح مفصل استعرض فيه الواقع العسكري، الأمني، والسياسي في سوريا، وتداعيات وصول “أحمد الشرع” إلى سدة الحكم، والتدخل الإسرائيلي المباشر في العمق السوري.
إسرائيل المستفيد الأول والتوغل في العمق
قال فقيه: “نستنتج أن أبرز المستفيدين مما حدث في سوريا، أو من استطاع أن يستفيد نتيجة الأوضاع، كانت إسرائيل التي دخلت وبشكل فاضح إلى عمق الأراضي السورية، وأصبحت على مقربة من دمشق واحتلت أراضٍ واسعة”.
وأضاف واصفاً مشهداً ميدانياً لافتاً: “كان هناك مشهد لافت جداً خلال الاستعراض الذي قامت به قوات الأمن العام والأمن الداخلي السوري خلال ذكرى مرور عام على الإطاحة بنظام بشار الأسد؛ حيث مرت كتائب سورية أمام حاجز إسرائيلي، هذا دلالاته كبيرة ومؤلمة للوجه المقاوم ولوجه سوريا بشكل عام ولما فعلته إسرائيل في المنطقة”.
انهيار القدرات العسكرية والدفاعات الجوية
وفي الشق العسكري، أوضح فقيه أنه “بعد عام من تولي أحمد الشرع رئاسة الجمهورية العربية السورية، ومغادرة بشار الأسد في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي، طرأت تغييرات عديدة أبرزها الاحتلال الإسرائيلي الذي أخذ أراضٍ واسعة لتأمين مستوطناته وحدوده دون أي مقاومة أو تصدٍ سوري”.
وأرجع فقيه ذلك إلى “الأوضاع التي سادت وانهيار الجيش العربي السوري، وضرب كل الأسلحة المهمة التي كان يمتلكها الجيش.
واضاف الإعلامي والكاتب الصحفي حسن فقيه ففور اندلاع الأحداث، قامت إسرائيل بقصف كل ما كان للجيش السوري من أسلحة دفاع جوي، مستغلة الأمر أحسن استغلال، وكأنها كانت تعلم بما سيحدث”. وأكد أنه “من الناحية العسكرية، لم نرَ إلى الآن بذور قوة سورية عسكرية تستطيع مقاومة هذا الاحتلال، واسرائيل تقول إنها لن تخرج من الأراضي التي سيطرت عليها”.
الاضطرابات الداخلية ومخاوف التقسيم والفيدرالية
وعن الوضع الأمني الداخلي، قال فقيه: “من الناحية الأمنية، نعرف جيداً أن ما حدث في سوريا خلال الفترة الماضية كان للأسف مؤذياً وأدى للمطالبة بالفيدرالية والتقسيم، سواء أحداث السويداء أو الأحداث في الساحل، وتحديداً مع الطائفة الدرزية والطائفة العلوية”.
وعلل ذلك بالقول: “السبب واضح، فمهما حاول النظام الجديد أن يضبط الأمور، هناك عدد كبير من الذين دخلوا إلى هذه البلاد وبهذه الطريقة هم من فكر قتل وتدمير وطائفي، لذا ما حدث في السويداء والساحل كان أكبر دليل”.
واعتبر فقيه أن المستفيد الأكبر من هذه الفوضى هو إسرائيل “التي تدعي حماية الدروز، واليوم العلويون يطالبون بفيدرالية وتقسيم وأعلنوا الإضراب العام وعدم المشاركة في مظاهرات ذكرى الإطاحة بالنظام السابق”.
غياب الهوية الوطنية الموحدة
وأشار فقيه إلى أزمة الهوية الوطنية قائلاً: “الشعارات الموحدة في سوريا لم تتبلور أبداً على أرض الواقع، ومشاهد السويداء والساحل كانت الدليل الأبرز على أن النظام الجديد لم ينجح في احتواء هذا الموضوع، مما سيؤدي لمقاومة هذه الأقليات ومطالبتها بالانفصال عن الدولة السورية، وقد وجدت دروز سوريا هناك ضالتهم بحماية إسرائيلية بعد الأحداث التي جرت”.
العلاقات الدولية والوضع الاقتصادي
وحول التحركات السياسية الخارجية، ذكر فقيه: “يبدو أن الرئيس السوري الجديد جال في بلاد عدة، ذهب إلى روسيا واجتمع مع الرئيس فلاديمير بوتين، وإلى أمريكا مع دونالد ترامب، واجتمع مع قادة عرب وغيرهم، لكن هذه العلاقات لم تتبلور حتى الساعة على الوضع الداخلي السوري اقتصادياً أو سياسياً”.
وأضاف: “ما يحتاجه السوريون هو تبلور هذه العلاقات، ولكن هل ستسمح أمريكا لسوريا بالتحسن الاقتصادي والسياسي؟ هذا رهن الأيام المقبلة وخطوة إلغاء قانون قيصر هي خطوة مهمة، لكن دائماً عين إسرائيل على هذه المنطقة”.
العلاقة الجدلية مع لبنان
وفيما يخص الجوار اللبناني، قال فقيه: “العلاقة الخارجية مع لبنان تسير بين مد وجزر؛ هناك أطراف لبنانية ترفض التعامل مع أحمد الشرع (الجولاني سابقاً) نتيجة الخلافات السابقة عندما كان زعيماً لجبهة النصرة وما حدث مع الجيش اللبناني، وهناك أطراف تتعامل معه كأمر واقع بكونه رئيساً للدولة السورية”.
وختم تصريحه بالتشديد على أهمية سوريا للبنان: “كلنا يعرف أهمية سوريا بالنسبة للبنان والعكس، خصوصاً مع العدد الكبير من النازحين. هذا ملخص عن الوضع السوري، ولا أعتقد أن الوضع إيجابي أبداً، ويبقى خطر المطالبة بالتقسيم والبطش الإسرائيلي هو المسيطر”.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 