تعيش الأوساط الصحفية والإعلامية في تنزانيا حالة غير مسبوقة من التضييق الأمني والرقابة الذاتية القسرية، في أعقاب الانتخابات العامة التي جرت في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2025.
فبينما كانت الآمال معقودة على انفراجة ديمقراطية، تحولت البلاد إلى ما يشبه الثكنة الأمنية الرقمية والواقعية، حيث واجهت السلطات موجات الاحتجاجات الشعبية الأوسع منذ الاستقلال بحملة قمع عنيفة شملت قطع خدمات الإنترنت، واستخدام الذخيرة الحية، وحملات اعتقال واسعة طالت المئات من أنصار المعارضة والناشطين.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، بات “الخوف” هو الرقيب الأول على الكلمة؛ إذ تُشير التقارير الحقوقية والدولية -بما فيها تقارير “هيومن رايتس ووتش” والأمم المتحدة- إلى توجيه تهم “الخيانة العظمى” لعشرات المعتقلين لمجرد تعبيرهم عن الرأي أو تغطيتهم للأحداث.
كما تم تفعيل ترسانة من القوانين المقيدة للحريات، أبرزها قانون الجرائم الإلكترونية وقانون خدمات الإعلام، لملاحقة الصحفيين وإجبار المؤسسات الإعلامية الخاصة على تبني الرواية الحكومية أو مواجهة الإغلاق.
هذا الواقع المرير دفع بالعديد من الأصوات الإعلامية إلى الانزواء خلف جدار الصمت، خوفاً من الملاحقة أو الانتقام الذي قد يطالهم ويطال عائلاتهم، وهو ما تكشفه شهادة حية لإعلامية تنزانية فضلت حجب هويتها للنجاة بنفسها من قبضة المراقبة الأمنية اللصيقة.
في شهادة كاشفة عن تدهور واقع الحريات الصحفية في تنزانيا، اعتذرت إعلامية تنزانية بارزة -فضلت عدم ذكر اسمها لأسباب أمنية- عن إجراء أي مداخلات صحفية أو الإدلاء بتصريحات إعلامية، معللة ذلك بالرقابة الصارمة التي تفرضها السلطات ومناخ الخوف الذي يسيطر على المشهد الإعلامي في البلاد.
تحت المجهر
وقالت الإعلامية في تصريحات خاصة لمركز المستقبل” للدراسات الاستراتيجية أن المشكلة الرئيسية تكمن في أنني تحت المجهر؛ حيث أعمل أنا في قطاع الإعلام الخاص، ورغم ذلك يتم رصد نشاطاتي بشكل دقيق”.
وأضافت واصفة الوضع السياسي القائم: “لا توجد ديمقراطية هنا، ولا حرية تعبير. لقد سنوا قوانين تجرم أي شخص يمنح مقابلة، أو يرسل مقاطع فيديو أو صوراً من شأنها أن تقوض ما يحدث أو تضعف موقف الحكومة الحالي، سواء تعلق الأمر بالوضع الأمني أو الانتخابات”.
اعتقالات بتهمة الخيانة العظمى
وأكدت المصدر أن عقوبة المخالفين قاسية وفورية، قائلة: “أي شخص يخالف ذلك سيتم اعتقاله، والتهمة الجاهزة هي (الخيانة العظمى). هذا هو الخبر الآن، الجميع مرعوب ونحن نعيش تحت المراقبة”.
وكشفت المتحدثة عن تعرض مؤسستها الإعلامية لتهديد وجودي مؤخراً، مشيرة إلى تداعيات ما بعد الـ 29 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث قالت: “لقد كادت محطتي أن تُغلق تماماً.. لقد أجريت مقابلة منذ أسبوعين، ولكن الآن لا أستطيع الحديث. لقد تمت معاقبتي، وطُلب مني كتابة قصص وتقارير (تدافع عن تنزانيا) لتلميع صورتي وإثبات أنني في الجانب الصحيح مع الحكومة”.
الترهيب
وتابعت موضحة سبب نشرها لروابط ومواد معينة مؤخراً: “إذا رأيتموني أرسل تلك الروابط والقصص، فهذه محاولتي لتصحيح صورتي وتفادي الصدام”.
وأشارت الإعلامية إلى أن الترهيب لا يقتصر على الصحفيين فحسب، بل يطال عموم المواطنين، قائلة: “نحن نتلقى رسائل نصية من الحكومة بشكل شبه يومي، تحمل تحذيرات وتنبيهات من مغبة الحديث عن الوضع الأمني. المواطن العادي التنزاني لن يتحدث بسبب الخوف”.
واختتمت حديثها بالقول: “لدي الكثير لأقوله، ولكن لا أستطيع الحديث الآن لأنني مُراقبة. عندما ينجلي هذا الوضع ويصبح الوقت مناسباً وآمناً، سأجهر بكل ما بقي طي الكتمان”.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 