تشهد الساحة الليبية تصاعدًا ملحوظًا في الجدل حول مسار الأزمة السياسية والاقتصادية والأمنية، وسط ملفات شائكة تتراوح بين صفقات السلاح، والأموال المجمدة، وتعويضات الحقبة الاستعمارية، مرورًا بمحاولات توحيد المؤسسة العسكرية، وصولًا إلى مخاوف التوطين وتغيير التركيبة الديموغرافية.
ومع تفاقم الفساد وتداخل النفوذ الخارجي، تتوسع دوائر القلق الشعبي بشأن مستقبل الدولة الليبية وقدرتها على حماية سيادتها وإدارة مواردها في ظل انقسام داخلي حاد، وتدخّل إقليمي ودولي يفاقم تعقيدات المشهد.
وفي هذا السياق، برزت سلسلة من التصريحات التي تكشف ملامح أزمة عميقة تطال مفاصل الدولة كافة، وتلقي الضوء على التحديات التي تهدد الهوية الوطنية وأمن البلاد واستقرارها.
أدلى الإعلامي الليبي والمتخصص في الشأن الاقتصادي أحمد السنوسي بتصريحات حادة حول تطورات المشهد الليبي، كاشفاً عن ما وصفه بآلية “فاسدة ومظلمة” تحكم تجارة السلاح في البلاد.
وأوضح السنوسي أن صفقات الطائرات والزوارق المسيرة المنسوبة لرئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة والقوات المسلحة التابعة له ليست سوى جزء من منظومة أوسع، قائلاً: “جميع الأطراف في ليبيا تشتري السلاح بغض النظر عن المشروعية، وحتى ما تقوم به وزارة الدفاع لا يتم بشكل قانوني نسبة لوجود عقوبات دولية”، مضيفاً أن تلك العمليات تجري “من خلال عصابات بطريقة غير قانونية”.
وأكد السنوسي أن الدافع وراء هذه الصفقات هو “تعزيز القوى للاستقواء على الطرف الآخر” سواء سياسياً أو عسكرياً، مشيراً إلى أن ليبيا تحولت إلى ساحة صراع بالوكالة، يتحكم فيها النفوذ الخارجي عبر “عملاء ليبيين في الداخل”.
ملف التعويضات والأموال المجمدة: تناقض دولي وفساد محلي
وعن تصاعد المطالب الشعبية بالحصول على تعويضات عن الحقبة الاستعمارية الإيطالية وقصف الناتو عام 2011، إضافة إلى قضية الأموال المجمدة التي تقودها حركات شعبية أبرزها “صوت العدالة الليبي”، عبّر السنوسي عن استغرابه من الموقف الدولي قائلاً: “ليبيا اليوم مديونة للجميع… بريطانيا تطالبنا بدفع تعويضات وإيطاليا تطالبنا”، مؤكداً أن المفترض هو العكس، وأن هذه الدول هي التي يجب أن تدفع تعويضاتها لليبيا.
وفي موقف يعكس أزمة ثقة عميقة، صرح السنوسي: “أفضل أن تقوم دول الغرب الكافرة بإدارة أموالنا المجمدة بدلاً من أن تدارها الأطراف الليبية الحالية”، محذراً من أن استعادة الأموال في الوقت الراهن لن يؤدي إلا إلى “سوء إدارتها من قبل الحاكمين اليوم”.
توحيد الجيش: اعتراف بالفشل ورهانات على الخارج
وحول خطة توحيد الجيش الليبي التي تعمل عليها الولايات المتحدة بالتعاون مع تركيا، أكد السنوسي فشل الإرادة الليبية في تحقيق هذا الهدف طوال سبع سنوات، قائلاً إن الجيشين في الشرق والغرب “يعاملان بعضهما معاملة الأعداء”. وأضاف أنه لا يعارض اللجوء إلى جهود خارجية لتحقيق التوحيد، سواء كانت تركية أو أمريكية أو مصرية، في إشارة واضحة إلى عجز القوى المحلية عن إنجاز هذا الملف الوطني الحاسم.
ملف التوطين: تهديد للديموغرافيا والهوية الليبية
وفي ما يتعلق بالأنباء المتداولة حول اتفاق مزعوم بين رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة لتوطين المهاجرين في ليبيا، وصف السنوسي هذه الخطوة بأنها “كارثة بكل المقاييس”، رغم تشكيكه في صحة هذه المعلومات.
وحذر من أن ليبيا “بلد عبور وليست بلداً للتوطين”، مؤكداً أن استيعاب أعداد كبيرة من المهاجرين سيؤدي إلى “اندثار الديموغرافية” الليبية، خاصة وأن ملامح التغيير الديموغرافي ظهرت بالفعل في الجنوب.
صورة قاتمة للمشهد الليبي
من خلال تصريحاته، رسم أحمد السنوسي صورة شديدة القتامة للواقع الليبي، حيث يتقاطع الفساد الداخلي مع التدخلات الخارجية، وتتراجع الإرادة الوطنية أمام الملفات المصيرية، فيما تتكاثر التهديدات التي تطال كيان الدولة ومستقبل شعبها.
تعثر سياسي
قال الكاتب الصحفي عمر البدري إن الحديث عن الأزمة الليبية لم يعد يمكن اختزاله في “تعثر سياسي” أو “فشل

مؤسسي”، بل باتت ليبيا تواجه انهيارًا متعدد الطبقات يبتلع الدولة والمواطن معًا.
وأوضح أن جذور هذا الانهيار تعود بالأساس إلى غياب الحوكمة وضعف المؤسسات، وهو خلل مزمن جعل الدولة عاجزة عن إدارة أموالها المجمّدة أو حماية حقوقها التاريخية، بينما يُدار المال العام بمنطق الغنيمة، وتظل المطالبات بالتعويضات عن الحقبة الاستعمارية وقصف الناتو أسيرة التأجيل والمماطلة في ظل تفشي الفساد دون رادع.
المؤشرات الاقتصادية
وأضاف البدري أن هذا الواقع الهش خلق بيئة مثالية لصفقات عبثية ومشبوهة، مثل صفقات السلاح الأوكراني، التي لم تخدم الأمن الوطني ولا المواطن، بل خدمت مصالح ضيقة وابتزازات سياسية تحت غطاء الدفاع.
ونتيجة لذلك، تراجعت المؤشرات الاقتصادية، وتضخم العجز المالي، وواصل الدينار فقدان قيمته، في وقت بدت فيه المؤسسسات الرسمية عاجزة عن فرض رقابة حقيقية أو محاسبة أي طرف.
وأشار البدري إلى أن الأزمة لا تقف عند حدود الاقتصاد والمؤسسات، بل تمتد إلى المؤسسة العسكرية المنقسمة منذ سنوات، رغم محاولات توحيدها.
المليشيات المحلية
فقد أدت المليشيات المحلية، والخلافات الإقليمية، والتدخلات الأجنبية، إلى إضعاف قدرة الجيش على حماية الدولة، ما جعل فكرة “الجيش الموحد” مجرّد شعار يُقدَّم للخارج دون أي ترجمة فعلية على الأرض.
واعتبر البدري أن هذا الوضع يضع أمن ليبيا واستقلال قرارها العسكري في مهب التدخلات الخارجية أكثر من أي وقت مضى.
وتوقف البدري عند ملف توطين المهاجرين، واصفًا إياه بأنه تهديد مباشر للبنية الديموغرافية والاجتماعية في البلاد.
خطط مدروسة
وأكد الكاتب الصحفي عمر البدري أن ما يُطرح في هذا الجانب لا يستند إلى خطط مدروسة أو إدارة وطنية مسؤولة، ويهدد المدن والمناطق الحدودية باضطرابات قد تتصاعد، محذرًا من تحوّل هذا الملف إلى أداة سياسية يستخدمها الداخل والخارج ضد الدولة الليبية نفسها.
وأعرب البدري عن قلقه الشديد إزاء الدور الذي تلعبه البعثة الأممية، معتبرًا أن تحركاتها المائعة واجتماعاتها الشكلية ومبادراتها المتناقضة لم تُنتج أي تقدم حقيقي.
وأشار عمر البدري إلى أن البعثة لم تمارس ضغطًا كافيًا على الأطراف المعطلة، ولم تواجه الفساد أو الانقسام، بل ساهمت بشكل غير مباشر في إدامة الأزمة وإعادة تدوير المشهد ذاته، وكأن دورها أصبح إطالة عمر الفوضى بدلًا من إنهائها.
وختم البدري تصريحه بالتأكيد على أن ليبيا اليوم تُستنزف من الداخل قبل الخارج، وأن ما تحتاجه ليس مزيدًا من البيانات الأممية أو المبادرات الشكلية، بل إرادة ليبية صادقة، وإصلاحًا مؤسسيًا حقيقيًا، وجيشًا موحدًا، ومؤسسات شفافة، وموقفًا حازمًا تجاه التدخلات الأجنبية.
وشدد عمر البدري على أن كل يوم يمر دون اتخاذ هذه الخطوات يبقي الدولة رهينة للفوضى والمواطن أسيرًا لقرارات الآخرين، فيما تستمر الأزمة بلا أفق واضح للحل.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 