التعويضات وتوطين المهاجرين و المسيرات.. ملفات تفجّر الجدل وتكشف عمق الأزمة الليبية

تعيش ليبيا منذ سنوات على وقع مشهد سياسي وأمني متشابك، تتداخل فيه حسابات الداخل مع صراعات الخارج، ما أبقى البلاد في دائرة توتر لا تهدأ.

ومع تجدد الحديث عن صفقات تسليح وتفاهمات سرية وتحركات دولية متنافسة، تعود الأسئلة حول حجم النفوذ الأجنبي ومدى تأثيره على مستقبل الدولة الليبية.

وتتزامن هذه القضايا مع تصاعد الجدل حول ملفات حساسة، أبرزها المزاعم المرتبطة بإرسال مسيّرات أجنبية إلى ليبيا، والمطالبات الشعبية بتعويضات عن أحداث 2011، وصولاً إلى الاتهامات الموجهة للحكومة بشأن اتفاقات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل البلاد.

فيما تعيد هذه التطورات مجتمعة إبراز حقيقة أن ليبيا ما تزال ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية، في وقت يبحث فيه الليبيون عن مسار يعيد للدولة قرارها السيادي ويضمن استقرارها المفقود.

في هذا السياق قدّم الشريف الوافي، عضو المؤتمر الوطني الليبي السابق، خلال حوار صحفي مع مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر، قراءة نقدية للمشهد الليبي الراهن وما يحيط به من تقارير عن تدخلات أجنبية، سواء عبر صفقات تسليح أو عبر تأثيرات سياسية وعسكرية متشابكة.

في بداية حديثه، علق الوافي على التقارير المتداولة بشأن اتفاق مزعوم لإرسال مسيرات وزوارق مسيرة أوكرانية إلى ليبيا عبر الجزائر، مؤكداً أنه لا يمتلك معلومات موثوقة تُمكنه من تأكيد أو نفي الأمر.

التدخلات الأجنبية والعربية

أشار إلى أن التدخلات الأجنبية والعربية والإقليمية باتت سمة واضحة في المشهد الليبي منذ أحداث عام 2011، وأن هذه التدخلات ساهمت في إبقاء البلاد في حالة ارتباك دائم يخدم مصالح تلك الدول أكثر مما يخدم مصالح الليبيين.

وأضاف أن كل الدول، بما فيها أوكرانيا، تتحرك في الساحة الليبية بدافع تحقيق مصالح خاصة، وليس استناداً لأي اعتبارات تتعلق بمصلحة الشعب الليبي.

فيما يخص الأنباء الأخيرة وأهداف أوكرانيا في حال ثبت إرسالها مسيرات إلى ليبيا، أوضح الوافي أن غياب المعلومات الدقيقة يحول دون الخوض في تفاصيل مؤكدة، لكنه يرى أن أوكرانيا أولى باستخدام مسيراتها للدفاع عن أراضيها في ظل صراعها المفتوح مع روسيا.

وذكّر بأن الساحة الليبية ليست حكراً على كييف وحدها، بل تتواجد فيها قوى إقليمية ودولية عديدة مثل تركيا ومصر وروسيا والإمارات والجزائر، وجميعها تمارس أشكالاً مختلفة من الدعم العسكري. ولم يستبعد أن يكون هدف أوكرانيا إن صحّ تدخلها هو نقل جانب من معركتها مع روسيا إلى خارج حدودها.

حراكات شعبية

انتقل الحوار إلى ملف التعويضات الذي عاد لواجهة النقاش بعد خروج حراكات شعبية تطالب حلف شمال الأطلسي بتعويض الليبيين عن الأضرار التي لحقت بهم جراء قصف عام 2011، وعلى رأسها حراك “صوت العدالة الليبي”.

وفي هذا السياق، أوضح الوافي أن تدخل الناتو تم في ذلك الوقت بناءً على طلب من الشعب الليبي والمجلس الانتقالي، وبتأييد من جامعة الدول العربية، ووفق قرار صادر عن مجلس الأمن، وإن كانت فرنسا قد بدأت القصف قبل صدور القرار بساعات.
ورأى أن المطالبة بالتعويض حق مشروع، مذكّراً بأن ليبيا سبق وأن طالبت إيطاليا بالتعويض عن الحقبة الاستعمارية وتم التوصل إلى اتفاقيات بالفعل، إلا أن الفوضى التي أعقبت الثورة عطلت تنفيذ تلك الاتفاقيات. ومع ذلك، شدد على أن التعبير عن الرأي والمطالبة بالحقوق أمر مكفول للجميع.

ملف الهجرة

في ختام الحوار، تطرق الوافي إلى الجدل المثار حول اتفاق مزعوم بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني حول توطين المهاجرين في ليبيا مقابل التعاون في ملف الهجرة غير الشرعية. وأكد أنه لم يطّلع على الاتفاق، لكنه شدد على أن صحة مثل هذه الأنباء تعني ارتكاب الدبيبة جريمة بحق الشعب الليبي تستوجب محاسبة من يقف وراءها.

وأشار إلى أن ليبيا ليست مؤهلة لتوطين المهاجرين، وأن الدول الأوروبية التي تمتلك الإمكانات هي الأولى باستقبالهم أو بتخفيف موجات الهجرة من خلال الاستثمار في مشاريع تنموية داخل دول المصدر. وأضاف أن الليبيين لا يعارضون حق البشر في العيش بكرامة، لكن فرض التوطين داخل ليبيا أمر مرفوض تماماً.
الشريف الوافي كشف صورة المشهد السياسي والأمني الليبي المعقد وتداخل المشهد المحلي مع الإقليمي والدولي، ويظهر فيه الليبيون وسط صراعات وتفاهمات لا تكون مصالحهم دائماً في مقدمتها، محذراً من أن الاستمرار في هذه السياسات يبقي الباب مفتوحاً لمزيد من التعقيدات التي تعيق استقرار البلاد.

الكاتب الصحفي عمر البدري

التعويضات من الناتو

في السياق ذاته أكد الكاتب الصحفي عمر البدري أنّ ليبيا ما تزال بعد أكثر من عقد على أحداث 2011 تعيش تحت وطأة التدخلات الأجنبية التي عطّلت أي إمكانية لبناء مشروع وطني حقيقي. وقال إنّ المشهد السياسي ظلّ أسيرًا لهذه التدخلات، ليس فقط بفعل ضغوط الخارج، بل أيضًا نتيجة تواطؤ أطراف محلية ارتبطت مصالحها بالأجندات الدولية، ما جعل أي مسار سياسي قابل للانهيار عند أول تضارب خارجي، وأصبح الاستقرار السياسي في ليبيا “معادلة شبه مستحيلة”.

وأضاف البدري أن الجدل المتكرر حول “التعويضات من الناتو” تحوّل إلى مادة للاستهلاك الإعلامي، مؤكدًا أن الحكومات المتعاقبة لم تُظهر أي نية حقيقية لفتح هذا الملف، لأنها لا ترغب في مواجهة القوى التي تستند إليها سياسيًا. وأشار إلى أنّ الملف ظلّ حبيس الشعارات والوعود، بلا أي خطوة قانونية جادّة، “وكأنّ معاناة الليبيين تُستخدم كأداة سياسية لا أكثر”.

مسيرات أوكرانية

في ما يتعلق بما يُثار حول إرسال أوكرانيا لمسيرات أو زوارق مسيّرة إلى ليبيا, شدّد البدري على أن خطورة الأمر لا تكمن فقط في احتمال نقل الحرب الروسية–الأوكرانية إلى الأراضي الليبية، بل في وجود أطراف محلية مستعدة للتورّط في هذا الصراع الدولي.
وأوضح أن السماح بتمرير السلاح أو فتح الموانئ والقواعد أمام أطراف متحاربة “يضع ليبيا في قلب صراع لا علاقة له بمصلحة الشعب الليبي، ويحوّل البلاد إلى ورقة تفاوض في معارك الآخرين”.

ملف المهاجرين

عن ملف المهاجرين وترتيبات حكومة الدبيبة مع إيطاليا، قال البدري إن هذا الجانب يُعدّ “الوجه الأكثر وضوحًا للنهج الذي يفتقر إلى الحس الوطني”. وأكد أنه إذا ثبت دخول الحكومة في ترتيبات لتوطين مهاجرين داخل ليبيا مقابل مكاسب سياسية، فإن الأمر “يمسّ السيادة مباشرة”، ويحوّل ليبيا إلى “مخيم فرز بشري” في مقابل استمرار السلطة في الحكم، معتبرًا أن مثل هذه الخطوة تستدعي مواجهة سياسية وشعبية واسعة.

وختم البدري تصريحه بالتشديد على أن العودة إلى مسار وطني مستقل باتت ضرورة ملحّة، تتطلب إرادة داخلية ترفض تحويل ليبيا إلى ساحة صراع أو ورقة ضغط، مؤكداً أن مستقبل البلاد لا يجب أن يبقى رهينًا لتحالفات عابرة أو تفاهمات تُبرم بعيداً عن إرادة الليبيين.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *