هذا التحليل، الصادر عن مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، يقرأ الزيارة من منظور استراتيجي شامل، ويقدّم رؤية محايدة حول دوافع الطرفين، والمخرجات الفعلية، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل هذا المسار.
مقدمة
تمثّل زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض قبل أيام، نقطة تحوّل لافتة في مسار العلاقات السعودية–الأميركية، ليس فقط لأن حجم الاستقبال السياسي والاقتصادي كان استثنائياً، بل لأن الرسائل العميقة التي انطوت عليها الزيارة تكشف عن مرحلة جديدة تتجاوز معادلة «نفط مقابل أمن» التي حكمت العلاقة لعقود.
أولاً: مخرجات الزيارة كما ظهرت في البيانات الرسمية والتغطيات الدولية
1. ترقية الشراكة الأمنية
أعلن الرئيس الأميركي منح السعودية صفة «حليف رئيسي من خارج الناتو». وهذه الصفة تفتح الباب أمام شراكات دفاعية متقدمة، وتسهّل نقل تقنيات عسكرية حساسة وتخزين المعدات الأميركية داخل المملكة.
كما برز الإعلان عن اتفاق دفاعي أوسع يشمل تزويد السعودية بمقاتلات F-35 وعقود تسليح إضافية، ما يشير إلى تحوّل نوعي في مستوى الثقة العسكرية بين البلدين.
2. التزامات استثمارية قياسية
أعلنت السعودية رفع استثماراتها في الولايات المتحدة إلى ما قد يصل إلى تريليون دولار خلال السنوات المقبلة، في قطاعات الطاقة، والتكنولوجيا، والموانئ، والذكاء الاصطناعي، والمعادن الحرجة. ويبدو أن واشنطن تراهن على هذه التدفقات كركيزة لتعزيز اقتصادها الصناعي وتقليل تأثير المنافسة الصينية.
3. شراكات استراتيجية في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
جاءت الزيارة بإطار تعاون جديد بين شركات سعودية وشركات أميركية عملاقة في مجالات:
- الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة.
- المعادن النادرة وسلاسل التوريد الحساسة.
- مشاريع الطاقة النووية المدنية ضمن ضوابط عدم الانتشار.
4. رمزية سياسية لافتة
مشاهد العشاء الرسمي في البيت الأبيض بحضور شخصيات دولية واقتصادية بارزة، إضافة إلى تصريحات ترامب التي دافع فيها عن ولي العهد في ملفات حساسة، اعتُبرت بمثابة إعادة تأكيد لعودة الدفء السياسي بين الطرفين بعد سنوات من التوتر الإعلامي والحقوقي.
ثانياً: الدوافع الاستراتيجية للطرفين – قراءة تحليلية
1. دوافع الولايات المتحدة
أولاً – تعزيز الاقتصاد الداخلي
الإدارة الأميركية الحالية تسعى إلى عرض نتائج ملموسة أمام الرأي العام، خصوصاً في ملف خلق الوظائف وإعادة تنشيط الصناعات العسكرية والتكنولوجية. وتوفّر الاستثمارات السعودية الضخمة فرصة مناسبة لدعم هذه الرؤية.
ثانياً – مجابهة النفوذ الصيني والروسي
الولايات المتحدة تدرك أن منافسيها يوسّعون حضورهم في المنطقة، سواء في مشاريع الطاقة أو البنى التحتية أو الذكاء الاصطناعي، ومن ثمّ فإن تعزيز الشراكة مع السعودية يوجّه رسالة واضحة بأن واشنطن لا تنوي التخلي عن موقعها في الخليج.
ثالثاً – إعادة تشكيل الهندسة الأمنية في الشرق الأوسط
تسعى واشنطن إلى صياغة منظومة أمنية إقليمية جديدة تُبنى على التحالفات الثنائية المتقدمة، مع الاعتماد على قوى إقليمية قادرة، وليس على الانتشار العسكري الأميركي المباشر كما كان في السابق.
2. دوافع السعودية
أولاً – تعزيز مكانة المملكة كقوة إقليمية محورية
الحصول على صفة «حليف رئيسي» واقتناء تقنيات عسكرية متقدمة مثل F-35 يدفع بالمملكة إلى مستوى جديد في ميزان القوى الإقليمي، ويمنحها قدرة أعلى على حماية مصالحها في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ثانياً – دعم رؤية 2030 عبر التكنولوجيا والاستثمار
تحتاج السعودية إلى شراكات في الذكاء الاصطناعي والصناعات المستقبلية، والولايات المتحدة تُعد الشريك الأكثر قدرة على نقل التكنولوجيا المتقدمة، الأمر الذي ينسجم مع خطط المملكة للتحول الاقتصادي.
ثالثاً – توسيع هامش المناورة بين القوى الكبرى
تستفيد الرياض من العلاقة مع واشنطن دون إغلاق أبواب التعاون مع بكين وموسكو، مما يمنحها توازناً استراتيجياً وقدرة على تنويع مصادر القوة.
ثالثاً: ماذا تغيّر بعد الزيارة؟
1. الانتقال إلى «تحالف شبه رسمي»
التطورات التي حملتها الزيارة تشير إلى دخول العلاقة مرحلة جديدة تتجاوز نمط العلاقات التقليدية، حيث باتت السعودية جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الأميركي في المنطقة، مع اشتباك أكبر في الملفات الدفاعية والاستخباراتية والتكنولوجية.
2. إعادة توزيع الوزن العسكري في الخليج
سواء تم تمرير صفقة F-35 بالكامل أو جرى تعديلها عبر الكونغرس، فإن الاتجاه العام يشير إلى تعزيز القدرات العسكرية للمملكة، ما سيؤثر على توازن القوى مع إيران ومع بعض الدول الخليجية، إذا لم تُدار هذه التطورات بحساسية سياسية.
3. تكريس شراكة اقتصادية–تكنولوجية متعددة الطبقات
لم تعد الشراكة الأميركية–السعودية قائمة على النفط والتمويل فقط، بل أصبحت تشمل الذكاء الاصطناعي، الطاقة النووية المدنية، المعادن الاستراتيجية، والطيران المدني والعسكري. وهذا يحوّل العلاقة إلى شبكة مصالح عميقة يصعب تفكيكها بسهولة.
4. تأثير محدود في ملف الحريات
على الرغم من بعض الخطوات الرمزية مثل الإفراج عن محتجزين، فإن ملف الحريات لا يزال نقطة خلاف كامنة بين واشنطن والرياض، غير أنها لم تمنع الطرفين من دفع الشراكة إلى مستوى أعلى.
رابعاً: السيناريوهات المستقبلية المحتملة
السيناريو الأول: تعميق التحالف الاستراتيجي
وهو سيناريو مرجّح إذا تم تنفيذ الاستثمارات المعلنة وتخطت صفقة F-35 عقبات الكونغرس. وفيه تصبح السعودية حجر الأساس في استراتيجية واشنطن الإقليمية، مع ازدياد دورها في الملفات الإقليمية مثل غزة وسوريا والبحر الأحمر.
السيناريو الثاني: شراكة قوية ولكن متقلبة
قد يظهر هذا السيناريو في حال وقف الكونغرس ضد بعض الصفقات المتقدمة، أو إذا تصاعدت الخلافات الحقوقية. الشراكة ستستمر، لكنها ستتخللها موجات من الشد والجذب.
السيناريو الثالث: ارتداد أو أزمة في العلاقة
رغم أنه أقل احتمالاً، إلا أنه ممكن في حال وقوع أحداث إقليمية كبرى (تصعيد مع إيران، توتر داخل إسرائيل، أو أزمة سياسية داخل الولايات المتحدة)، أو في حال نشوء تحقيقات أميركية تتعلق بتضارب المصالح في العقود والصفقات.
خامساً: خلاصة مركزية
تشير الزيارة الأخيرة إلى أن العلاقة السعودية–الأميركية دخلت مرحلة إعادة تعريف شاملة، تتداخل فيها عناصر القوة الاقتصادية، والتكنولوجيا المتقدمة، والتحالفات الدفاعية، والاعتبارات الجيوسياسية.
بعيداً عن المبالغات أو المخاوف، فإن ما يمكن قوله بموضوعية هو أن:
السعودية نجحت في تثبيت موقعها كقوة إقليمية يُعاد حساب وزنها في واشنطن، والولايات المتحدة وجدت في هذه الزيارة فرصة لإعادة بناء نفوذها في منطقة تشهد صعود منافسين دوليين.
ويبقى مستقبل هذا المسار مشروطاً بعوامل داخلية وإقليمية ودولية، أبرزها:
- موقف الكونغرس من صفقات السلاح.
- تطورات الملف الإيراني والفلسطيني.
- استمرار التوازن السعودي في علاقاتها مع الصين وروسيا.
- قدرة الطرفين على إدارة التحديات الحقوقية والسياسية دون الإضرار بالشراكة الأوسع.
إنها محطة مفصلية في علاقة تاريخية، وقد تكون بداية عهد جديد تتشكل فيه هندسة أمنية واقتصادية مغايرة في الإقليم خلال السنوات المقبلة.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 