اندماج “قسد” في الجيش السوري… بين الخطاب السياسي والواقع الميداني

على الرغم من تكرار الحديث في وسائل الإعلام عن احتمال دمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» ضمن الجيش السوري، إلا أن معطيات الميدان ومسار التفاوض خلال السنوات الماضية تشير إلى أن هذا الطرح لا يزال أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى خطوة حقيقية تنتظر التنفيذ.

تصريحات للمناورة لا للمصالحة

وفق ما يظهر في خطاب قيادات «قسد»، وعلى رأسهم مظلوم عبدي، فإن التصريحات العلنية تبدو في معظمها تكتيكية وتهدف إلى كسب الوقت. التبدّل السريع في النبرة، والحديث المتكرر عن “الانفتاح” و“الاستعداد للحوار”، يعكس رغبة في إبقاء الباب مفتوحاً دون تقديم التزامات فعلية، ما يجعل هذه التصريحات أقرب إلى أوراق تفاوضية للاستهلاك الإعلامي منها إلى مسار جدّي نحو اندماج حقيقي مع الجيش السوري.

غياب مؤشرات ميدانية على الاندماج

رغم الضجيج السياسي، لا توجد مؤشرات ملموسة على أن قيادة «قسد» تتجه فعلياً نحو دمج قواتها بالجيش السوري. فلا تغييرات بنيوية على مستوى القيادة، ولا إعادة هيكلة للوحدات، ولا خطوات عملية من النوع الذي تتطلبه أي عملية اندماج كبيرة، مثل ربط التشكيلات الكردية تنظيمياً وعملياً بوزارة الدفاع السورية أو إخضاعها لمنظومات القيادة والسيطرة في الجيش النظامي.

لقاءات بلا نتائج حقيقية

خلال السنوات الماضية، عُقدت عشرات اللقاءات بين ممثلين عن القيادة الكردية وممثلين عن سلطة دمشق، لكن من دون تحقيق أي اختراق جوهري. هذه اللقاءات اقتصرت في معظمها على إطلاق تصريحات سياسية ووعود عامة، من دون ترجمة هذه الالتزامات إلى إجراءات تنفيذية على الأرض. هذا النمط المتكرر يعزز الانطباع بأن الملف يتحرك في حلقة مفرغة يغلب عليها الطابع الإعلامي أكثر من الطابع التفاوضي الجدي.

الدعم الأميركي لـ«قسد» وضمان بقاء الكيان المنفصل

في المقابل، ما تزال الولايات المتحدة الأمريكية تقدّم دعماً سياسياً وعسكرياً مباشراً لـ«قسد»، وتتعامل معها بوصفها شريكاً محلياً أساسياً في شمال وشرق سوريا. هذا الدعم لا يقتصر على التسليح والتدريب، بل يمتد إلى الغطاء السياسي والدبلوماسي، ما يرسّخ بقاء «قسد» ككيان منفصل على الأرض، ويقلل من فرص أي اندماج كامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، وعلى رأسها الجيش.

نفاق سياسي في ملف العقوبات ووحدة الأراضي السورية

في سياق متصل، تمارس واشنطن، وفق هذا المنظور، نفاقاً سياسياً تجاه سلطة دمشق وملف وحدة سوريا. فهي تتحدث عن دعم الاستقرار ومحاربة الإرهاب، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على شبكة عقوبات معقدة تقيّد قدرة الدولة السورية على استعادة دورها في كامل الجغرافيا، وتتلاعب بملف الأكراد ووحدة الأراضي السورية. هذه السياسة تُقرأ على أنها استثمار في الانقسام الداخلي، يطيل أمد الأزمة ويجعل من ملف «قسد» أداة ضغط مستمرة على دمشق.

لقاءات أميركية مع قيادات «قسد» كجزء من المشهد

مثال واضح على هذا التوجه يتمثل في اللقاء الذي جمع مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب جو كينت مع قياديي قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي وروحيلات عفرين. هذا النوع من اللقاءات يبعث برسالة واضحة مفادها أن واشنطن ما تزال ترى في «قسد» فاعلاً مستقلاً على الأرض، وليس قوة في طريقها إلى الاندماج ضمن الجيش السوري أو مؤسسات الدولة.

خلاصة: ملف رهينة للتوازنات الدولية

مجمل هذه المعطيات يشير إلى أن الحديث عن اندماج «قسد» في صفوف الجيش السوري يبقى، حتى الآن، أقرب إلى العنوان السياسي منه إلى مشروع قابل للتنفيذ. فالقيادة الكردية تناور في الخطاب، ولا خطوات عملية على الأرض، واللقاءات مع دمشق بلا نتائج حقيقية، بينما يستمر الدعم الأميركي في تكريس «قسد» ككيان منفصل. ونتيجة لذلك، يبقى هذا الملف رهينة للتوازنات الدولية وحسابات واشنطن في المقام الأول، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار ووحدة الأراضي السورية.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *