بقلم: رسلان داود
لا يبدو أن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو كانت مجرد زيارة بروتوكولية أو خطوة لإعادة الدفء إلى العلاقات الروسية السورية. فالظروف، والتوقيت، ونبرة التصريحات التي صدرت من الجانبين، تكشف عن نقطة تحوّل استراتيجية في علاقةٍ كانت طوال أكثر من عقد تُدار تحت سقف التحالف العسكري والسياسي الذي جمع موسكو بالرئيس السابق بشار الأسد.
لكن مع تغيّر دمشق، تغيّرت اللغة. فروسيا التي كانت تتحدث يومًا بلسان “الحليف الراسخ”، باتت اليوم تستخدم مصطلحات أكثر براغماتية: “الشراكة”، “الاستقرار”، و”المصالح المتبادلة”.
بين الرمزية والسياسة الواقعية
اللقاء بين بوتين والشرع، والذي استمر لساعتين ونصف، لم يكن لقاء مجاملة. كانت موسكو تحاول أن توصل رسالة واضحة: الأسد انتهى سياسياً، لكن روسيا لم تنتهِ في سوريا.
فالكرملين يدرك أن موقعه الجيوسياسي في شرق المتوسط ليس ترفاً بل أحد ركائز استراتيجيته في مواجهة الغرب. لذلك، فإن التغيير في دمشق لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الروسي، بل إعادة تعريفه ضمن معادلة أكثر عقلانية وأقل انفعالًا.
في المقابل، يبدو أن القيادة السورية الجديدة تُدرك أن علاقتها بموسكو يجب أن تقوم على الندية الواقعية لا على إرث الولاء الشخصي. الشرع نفسه قال في تصريح مقتضب عقب اللقاء إن “سوريا تفتح صفحة جديدة قائمة على السيادة والشراكة”، وهي عبارة تكفي لفهم عمق التغيير في الخطاب السوري.
ملف بشار الأسد… “الحاضر الغائب”
رغم أن موضوع بشار الأسد لم يُذكر علنًا في التصريحات الرسمية، إلا أن كل المؤشرات تدل على أن الملف كان حاضرًا في الكواليس.
فمنذ أن لجأ الأسد إلى روسيا بعد انهيار نظامه أواخر العام 2024، تحوّل وجوده إلى عبء سياسي وأمني على موسكو أكثر مما هو رصيد. الغرب يطالب بتسليمه، ودمشق تلوّح بذلك، بينما الروس يردون بعبارة ثابتة: “تسليم بشار الأسد ليس مطروحًا على الطاولة”.
هذا الموقف الروسي ليس دفاعًا عن الأسد بقدر ما هو حساب بارد للمصالح. فتسليمه سيُفسّر على أنه خيانة لحليفٍ ساهم في بقاء القواعد الروسية في الساحل السوري، بينما الإبقاء عليه تحت “الإقامة الآمنة” يمنح موسكو ورقة تفاوض في وجه الجميع: دمشق، الغرب، وحتى طهران التي ما زالت تراقب بصمت.
لكن في المقابل، لا يمكن لموسكو أن تفرض هذا الواقع إلى الأبد. فكلما اقتربت دمشق من استعادة اعترافها العربي والدولي، سيصبح ملف الأسد عبئًا أكبر، وقد تضطر روسيا في النهاية إلى تسوية “هادئة” تُنهي وجوده عبر دولة ثالثة أو مخرج إنساني يُحفظ فيه ماء الوجه للجميع.
القواعد الروسية… ثبات أم إعادة تموضع؟
الجانب العسكري في المحادثات كان لا يقل حساسية عن الملف السياسي.
القواعد الروسية في حميميم وطرطوس ليست مجرد رموز نفوذ، بل مفاتيح استراتيجية تتيح لموسكو الوصول إلى البحر المتوسط ومراقبة حدود الناتو من الجنوب.
لذلك، الحديث عن انسحاب روسي من سوريا هو وهم سياسي أكثر منه احتمال واقعي.
لكنّ ما جرى في موسكو يشير إلى تفاهم جديد: بقاء روسي طويل الأمد ولكن “مخفف الظهور”، أي أن روسيا ستركز على الدور التقني والاستخباراتي والتدريب، لا على التدخل العسكري المباشر كما كان في السنوات الماضية.
الشرع يريد سيادة كاملة فوق الأرض السورية، وبوتين يريد موطئ قدم مضمون على الساحل… والاثنان يعلمان أن الحل الوسط هو البقاء المشروط، لا الانسحاب الكامل ولا التوسع المفرط.
الاقتصاد… البوابة الجديدة للنفوذ
في الوقت الذي خفت فيه ضجيج المدافع، بدأ صوت المال يعلو.
روسيا تسعى لترسيخ نفوذها الاقتصادي بعد أن تراجعت قدرتها على التأثير الميداني.
ملفات القمح، والوقود، ومشاريع المرافئ والكهرباء كانت حاضرة بقوة في جدول المباحثات، خصوصًا أن دمشق تواجه أزمة حادة في التمويل وتحتاج إلى شركاء لا يخضعون بالكامل للقيود الغربية.
إلا أن الشرع لا يريد تكرار أخطاء الماضي عندما تحولت بعض العقود الروسية إلى عبء سياسي ومالي على سوريا، بل يريد شراكة “شفافة وقابلة للمحاسبة”.
بكلمات أخرى، روسيا لن تخرج من سوريا، لكنها ستتحول من جيش إلى مستثمر، ومن وصي سياسي إلى شريك تجاري مضطر للمرونة.
سيناريوهات المستقبل: براغماتية أم تصدع؟
من زاوية تحليلية، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية للعلاقات الروسية–السورية بعد هذه الزيارة:
1. الاحتواء البراغماتي (الأكثر ترجيحًا)
يتضمن تثبيت الوجود الروسي ضمن صيغة قانونية جديدة، وتعاون اقتصادي محدود، مع تجميد ملف الأسد مؤقتًا.
هذا السيناريو يسمح للطرفين بالحفاظ على المصالح دون تصادم.
2. الصفقة الكبرى
صفقة توازن بين مصالح موسكو ودمشق برعاية أطراف عربية أو أوروبية، تتضمن تخفيف العقوبات مقابل ضمانات بعدم تحويل سوريا إلى ساحة نفوذ غربي.
لكنه يحتاج إلى توافقات إقليمية معقدة لا تبدو ناضجة بعد.
3. عودة التوتر
إذا أصرّت دمشق على تسليم الأسد أو تقليص الدور الروسي بسرعة، فقد تشهد العلاقة برودًا سياسيًا وربما توترًا إعلاميًا، وهو ما تحاول موسكو تجنبه في هذه المرحلة.
بين موسكو ودمشق… من الحماية إلى المصالح
من الخطأ قراءة العلاقة بين موسكو ودمشق اليوم بعيون الأمس.
فروسيا التي خاضت حربًا طويلة دفاعًا عن النظام القديم، ليست هي نفسها روسيا التي تبحث اليوم عن مكاسب اقتصادية واستقرار سياسي في سوريا جديدة.
والقيادة السورية الجديدة، رغم حاجتها إلى الدعم الروسي، ليست مستعدة لمنح موسكو تفويضًا مفتوحًا كما فعل الأسد الأب والابن.
إنها علاقة تتجه نحو براغماتية باردة: لا عداء ولا تبعية، بل تبادل مصالح محسوب، تُقاس فيه الخطوات بمقدار العائد لا بمقدار الشعارات.
خلاصة رأي الكاتب
زيارة الشرع إلى موسكو لم تُغلق الملفات، بل فتحتها جميعًا.
الأسد سيبقى عنوانًا جانبيًا في المعادلة، لكنه لن يكون حجر الزاوية بعد اليوم.
والقواعد الروسية باقية، لكنها ستتحول من رموز قوة إلى أوراق نفوذ تُدار بحذر.
أما دمشق الجديدة، فهي تحاول أن تكتب عقدًا سياسيًا جديدًا مع موسكو: عقد يقوم على المصالح لا على الولاء، وعلى السيادة لا على التبعية.
الزيارة كانت بداية مرحلة لا نهاية حقبة.
وما بين من يطالب بتسليم الأسد ومن يتمسك بحمايته، ستبقى موسكو ودمشق تبحثان عن معادلة تحفظ ماء الوجه للطرفين… وتبقي لسوريا حقها في أن تقف، أخيرًا، على قدميها.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 