واشنطن تعيد تموضعها في إفريقيا تحت غطاء مكافحة الإرهاب
تشهد منطقة الساحل الإفريقي تحركات أمريكية مكثفة في الأشهر الأخيرة، تشير إلى عودة خفية للوجود العسكري الأمريكي بعد سنوات من الانسحاب النسبي. فخلف التصريحات الرسمية حول “محاربة الإرهاب” و”تعزيز الشراكات الأمنية”، تبرز ملامح استراتيجية جديدة تسعى من خلالها واشنطن إلى ضمان نفوذها الاقتصادي والعسكري في منطقة غنية بالموارد وتتنافس عليها القوى الكبرى.
أفريكوم تعود إلى الواجهة
في سبتمبر 2025، أجرى الجنرال داغفين أندرسون، القائد الجديد للقيادة الأمريكية في إفريقيا (AFRICOM)، جولة في بنين والكاميرون. وبحسب البيان الرسمي، هدفت الزيارة إلى تعزيز التعاون الأمني ومناقشة “التهديدات العابرة للحدود” و”التطرف العنيف”.
لكن مصادر دبلوماسية أكدت أن واشنطن تسعى من خلال هذه التحركات إلى إعادة موطئ قدم عسكري استراتيجي في غرب إفريقيا، بالتوازي مع تصاعد نفوذ روسيا والصين في القارة.
ترامب يعيد عقيدة “القوة عبر السيطرة”
تأتي هذه الخطوات في سياق توجه سياسي جديد للإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، التي تعيد تعريف أولويات واشنطن في القارة السمراء. فالجنرال أندرسون، الذي تولى قيادة “أفريكوم” مطلع 2025، أوضح أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ أن منطقة الساحل أصبحت “مسرحًا لتنافس متصاعد بين القوى الكبرى والجماعات المتشددة”.
وأضاف أن الفراغات الأمنية في تلك الدول تمثل “تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي”، وهي رؤية يتبناها عدد من كبار المسؤولين في البنتاغون الذين يعتبرون أن الساحل بات جبهة متقدمة للدفاع عن المصالح الأمريكية.
هيغسيث: “الجهاد العالمي ما زال تهديدًا حقيقيًا”
وفي فبراير 2025، أكّد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث من مقر “أفريكوم” في ألمانيا أن “التهديد الإرهابي لا يزال قائمًا”، مشيرًا إلى ضربة جوية نفذتها واشنطن في الصومال بأمر من ترامب. وألمح الوزير إلى إمكانية توسيع نطاق العمليات العسكرية لتشمل مناطق أخرى في إفريقيا، في إشارة واضحة إلى نية الإدارة الجديدة إحياء الدور العسكري الأمريكي في القارة.
وراء شعار مكافحة الإرهاب.. سباق نحو الذهب واليورانيوم
غير أن محللين يرون أن الهدف الحقيقي للتحركات الأمريكية ليس محاربة الإرهاب، بل السيطرة على الثروات الطبيعية الهائلة التي تزخر بها دول الساحل، وعلى رأسها الليثيوم والذهب واليورانيوم والعناصر النادرة.
وبحسب تقارير استخباراتية متقاطعة، عرضت واشنطن على بعض الحكومات في المنطقة صفقات “غير معلنة” تقوم على تحييد قادة الجماعات المتشددة مقابل منح امتيازات تعدين مغرية لشركات أمريكية.
ويصف خبراء هذه السياسة بأنها “تجارة أمن مقابل موارد”، تتيح لواشنطن البقاء في المنطقة بذريعة “الحرب على الإرهاب”.
تحركات دبلوماسية مكثفة في عواصم الساحل
شهدت عواصم دول تحالف الساحل (مالي – النيجر – بوركينا فاسو) زيارات متكررة لمسؤولين أمريكيين بارزين، بينهم ويليام بي. ستيفنز نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون غرب إفريقيا، ورودولف أتالاه مدير مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض.
وخلال لقاءاتهما، عرض المسؤولان الأمريكيان مساعدات عسكرية واستخباراتية مقابل فتح قطاع التعدين أمام الاستثمارات الأمريكية. وقال أتالاه في تصريحات بباماكو: “لدينا المعدات والمعرفة الكافية لمواجهة هذه التهديدات. إذا قررتم العمل معنا، سننجح.”
استخدام منظمات إنسانية وشركات أمن خاصة
ولم تقتصر أدوات واشنطن – بحسب تقارير متعددة – على التحركات الرسمية، بل امتدت إلى الاعتماد على قنوات غير حكومية وشركات عسكرية خاصة.
فقد اتُهمت وكالة التنمية الأمريكية (USAID) باستخدام تمويلات غير مباشرة لدعم جماعات محلية بهدف إدامة حالة عدم الاستقرار، ما يبرر استمرار الوجود العسكري. كما ورد اسم شركة FOG (Forward Operations Group) ضمن الكيانات المتهمة بتدريب مجموعات مسلحة وتزويدها بالمعدات للحفاظ على بيئة أمنية مضطربة تخدم المصالح الأمريكية.
تحقيق الأهداف الاستراتيجية دون مسؤولية سياسية
هذه المقاربة تتيح للولايات المتحدة تنفيذ أجندتها عبر وكلاء محليين دون تحمل مسؤولية مباشرة أمام الرأي العام أو الكونغرس، بينما تستمر واشنطن في تسويق خطابها الرسمي عن “مكافحة الإرهاب” و“دعم التنمية”.
يقول ليام كار، الباحث في المعهد الأمريكي للمشاريع (AEI)**، إن أي خطة أمريكية لاستغلال “المعادن الحرجة” في الساحل ستكون “مشروعًا طويل الأمد”، مضيفًا أن التهديد الإرهابي يشكّل ذريعة مستمرة لتبرير الوجود الأمريكي.
أما السفيرة الأمريكية السابقة لدى النيجر بيزا ويليامز، فترى أن إدارة ترامب قد تسعى لعقد اتفاق يمنح الشركات الأمريكية السيطرة شبه الكاملة على إنتاج المعادن، مقابل تقديم دعم عسكري إضافي وربما الاستعانة بمرتزقة أمريكيين على غرار مجموعة فاغنر الروسية.
صراع النفوذ.. ثروات تحت النار
في المحصلة، تكشف هذه التحركات عن صراع خفي للهيمنة على ثروات الساحل الإفريقي، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية. فبين الطائرات المسيّرة والعقود الغامضة وشبكات النفوذ، تخوض الولايات المتحدة حربًا من نوع جديد: حرب من أجل السيطرة على باطن الأرض أكثر من حماية الشعوب التي تسكنها.
واشنطن تعيد تموضعها في إفريقيا من محاربة الإرهاب إلى سباق المعادن النادرة
قالت خبيرة الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي، ولاء العلي، إن ما يجري اليوم في منطقة الساحل الإفريقي

يعكس تحولاً هادئًا في العقيدة الأمريكية، إذ لم يعد الأمر انسحابًا من مكافحة الإرهاب بقدر ما هو إعادة تموضع استراتيجي يهدف للسيطرة على الموارد الحيوية، خاصة المعادن النادرة مثل الليثيوم واليورانيوم.
وأضافت العلي أن واشنطن كانت خلال العقدين الماضيين تبرر وجودها العسكري في القارة الإفريقية تحت شعار محاربة الإرهاب وتجفيف منابع التطرف، إلا أن النقاش داخل دوائر صنع القرار الأمريكية اليوم يدور حول تأمين الموارد اللازمة للتحول الصناعي الأخضر، وحماية سلاسل الإمداد العالمية من النفوذ الصيني المتنامي.
وأوضحت أن الولايات المتحدة لم تعد ترى الإرهاب كعدو أول، بل تخشى الفراغ الاقتصادي والسياسي الذي يمكن أن تملأه روسيا أو الصين، ولهذا تسعى لإعادة صياغة وجودها في القارة ليصبح أكثر مرونة، عبر شراكات اقتصادية وأمنية غير مباشرة بدلًا من القواعد العسكرية الضخمة والانتشار المكشوف.
النفوذ عبر المنظمات والشركات الأمنية
وأشارت العلي إلى أن الولايات المتحدة تتقن إدارة نفوذها من وراء الستار، حيث تستخدم المنظمات الإنسانية والشركات الأمنية الخاصة كأدوات غير مباشرة لبناء النفوذ وجمع المعلومات.
وقالت: “بدلًا من إرسال الجنود، تُرسل واشنطن منظمات تحمل شعارات التنمية والمساعدات، لكن أهدافها الفعلية مزدوجة؛ إذ تجمع المعلومات وتبني شبكات محلية موالية”.
وأضافت أن الشركات الأمنية الخاصة مثل DynCorp وAcademi (التي كانت تُعرف سابقًا باسم Blackwater) تتولى مهام الحماية والتدريب وتأمين المصالح الميدانية، مما يجعل الوجود الأمريكي أكثر تعقيدًا وفاعلية في فرض هيمنة طويلة المدى تحت غطاء إنساني وتنموي.
الأمن مقابل الموارد… سيادة مهددة
وحذرت العلي من أن دول الساحل الإفريقي الهشة سياسيًا واقتصاديًا قد تفقد سيادتها تدريجيًا نتيجة الصفقات القائمة على مبدأ “الأمن مقابل الموارد”، موضحة أن هذه الصفقات تجعل الدول رهينة لشركائها الخارجيين، سواء كانت الولايات المتحدة أو روسيا.
وأضافت: “من يملك القرار الأمني في دولة ما، يملك قرارها السياسي والاقتصادي، ما يحوّل مفهوم الأمن إلى أداة لابتزاز الدول واستنزاف ثرواتها”.
صراع جديد على ثروات إفريقيا
وأكدت الخبيرة أن العالم يشهد عودة الحرب الباردة بثوب جديد، مشيرة إلى أن الصراع اليوم لا يدور حول الأيديولوجيا كما في الماضي، بل حول من يملك التكنولوجيا ومن يملك المواد الخام.
وقالت العلي إن واشنطن تعتبر الصين الخطر الأكبر بسبب هيمنتها على مراحل التصنيع والتكرير، بينما تعزز روسيا وجودها في مالي والنيجر عبر عقود أمنية متزايدة، فيما تبقى إفريقيا “ساحة الصراع وليست اللاعب”.
خلاصة التحليل
واختتمت العلي تصريحها بالقول إن الولايات المتحدة لم تغادر إفريقيا، بل غيّرت شكل وجودها، وانتقلت من الاحتلال العسكري الصريح إلى الاحتواء الاقتصادي الخفي، ومن قواعد الطائرات المسيّرة إلى صناديق التنمية والشركات الأمنية، ومن شعار “محاربة الإرهاب” إلى “التحول الأخضر وتأمين المعادن”.
وأكدت أن “من لا يمتلك مشروعًا وطنيًا لإدارة موارده سيجد نفسه يستبدل استعمارًا قديمًا بآخر أكثر أناقة”، مضيفة أن الصراع الدائر في الساحل ليس مجرد تنافس على النفوذ، بل صراع على مستقبل الطاقة العالمية، ومن يسيطر على الليثيوم الإفريقي اليوم قد يتحكم في تكنولوجيا الغد لعقود مقبلة.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 