بعد فشل “باتريوت” الأمريكية في قطر: درس عسكري مصيري لسوريا المستقبل

في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على قطر في التاسع من الشهر الجاري، صرّح رئيس الوزراء القطري بأن الأسلحة الإسرائيلية تمكنت من اختراق أنظمة الرادار دون أن يتم رصدها، وتعهد بالرد على هذا العدوان. وأشار المحللون إلى أن الصواريخ التي استُخدمت في الهجوم كانت طويلة المدى، وتم إطلاقها من خارج المجال الجوي القطري، مما يضع الدوحة -رغم ثرائها العسكري- أمام تحدٍّ كبير بسبب محدودية قدراتها العسكرية وقلة عدد أفراد جيشها.

وتثار تساؤلات متزايدة حول سبب عجز قطر، الحليف المقرب من الولايات المتحدة، والمدعومة ببعض من أحدث أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية، عن صد الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف أراضيها بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار.

فعلى الرغم من امتلاك قطر بطاريات صواريخ “باتريوت” المتطورة، بالإضافة إلى نظام الدفاع الصاروخي “ثاد”(THAAD) عالي التقنية – وهو نفس النظام المُعتمد في إسرائيل – إلا أن رئيس الوزراء محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أكد يوم الثلاثاء أن “العدو الإسرائيلي استخدم سلاحًا لم يُرصد على الشاشات”.

في هذا السياق، نشر موقع “حبر 7” التركي تقرير تحت عنوان الهجوم الذي كشف تبرير تركيا لمنظومة إس-400! إسرائيل تضرب، وأنظمة الباتريوت نائمة” يتحدث عن حقيقة مهمة للغاية، وهي أن أنظمة الدفاع الجوي الغربية، وخاصة الباتريوت، لا تعمل ضد التهديدات الإسرائيلية أو يتم إيقافها عن بُعد من قبل واشنطن عندما يتعلق الأمر بحليفها الإستراتيجي.

هذا الإخفاق ليس مجرد حادثة معزولة، بل هو بمثابة صفعة استراتيجية لدول الخليج التي تعتمد بشكل شبه كلي على المظلة الأمريكية، وتستثمر مليارات الدولارات في أنظمة قد تُغلق عن بُعد في اللحظة الحاسمة، تاركةً سماءها عاريةً أمام أي تهديد، خاصةً إذا كان مصدره الكيان الإسرائيلي. هذا السيناريو بالذات هو الذي يجب أن يكون جرس إنذار قوي لكل دولة في المنطقة تسعى لبناء سيادتها وأمنها القومي بعيدًا عن الهيمنة الغربية، وعلى رأس هذه الدول سوريا المستقبل.

سوريا ما بعد الأزمة: إعادة البناء العسكري على أسس جديدة

بعد سنوات من الحرب المدمرة، ستواجه سوريا تحديًا وجوديًا يتمثل في إعادة بناء مؤسستها العسكرية من الصفر تقريبًا. جزء أساسي من هذا البناء هو إنشاء نظام دفاع جوي فعال ومستقل يحمي عملية إعادة الإعمار ويحمي السيادة الوطنية من أي انتهاكات جوية، والتي كانت سمة بارزة للنزاع. هنا، يجب على المخططين الاستراتيجيين السوريين تعلم الدرس القاسي بعد ما حدث في قطر والاعتماد على مصدر سلاح واحد، خاصةً إذا كان خاضعًا لأجندة سياسية متقلبة، هو انتحار استراتيجي.

الخيار الأسهل قد يبدو هو العودة إلى المعسكر الروسي التقليدي، وهو خيار منطقي بالنظر إلى الدعم المستمر خلال سنوات الحرب. ولكن الخيار الأكثر حكمةً هو تبني سياسة التنويع في مصادر التسليح”، وخاصة في مجال الدفاع الجوي، الذي يعتبر شريان الحياة للأمة.

لا يعني التنويع التخلي عن الحليف الروسي، بل تعزيز القدرات بشراء أنظمة من مصادر متعددة (روسي، صيني، ربما إيراني مستقبليًا) لخلق تكامل وتداخل في الطبقات الدفاعية، بحيث لا يؤدي تعطل أو إيقاف نظام واحد إلى انهيار كامل الشبكة.

الدرس القطري والتركي: لماذا يجب أن تذهب سوريا نحو الـ S-300 / S-400

قالت الخبيرة الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي: 

خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي
خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي

“تعثّر منظومة باتريوت بالمنطقة يحمل رسالة سياسية قبل أن تكون تقنية؛ فأقوى منظومة دفاع قد تصبح مقيدة إذا لم يكن قرار الإطلاق بيد الدولة نفسها. وهذا يعكس أن المظلة الأميركية ليست مطلقة، وأن دول الخليج تحديدًا مطالبة بالانتقال من وهم الدرع الواحد إلى عقلية الشبكة الطبقية القائمة على الإنذار المبكر، واعتراض متعدد الطبقات، والحرب الإلكترونية والخداع”.

وأضافت:”خطورة الارتهان للتسليح الغربي تكمن في قابليته للتعطيل السياسي؛ إذ أن الكثير من الأنظمة الحديثة مربوطة بمفاتيح تشفير وتحديثات وقنوات خارجية، ما يجعلها عرضة للإيقاف أو تعطيل الجاهزية. لذلك، كلما زادت الأحادية في التسلح، زادت القابلية للضغط، والحل يكمن في تحويل العلاقة إلى اعتماد متبادل عبر نقل التقنية وتوطين الصيانة وضمان سيادة قرار التشغيل”.

كما شددت على أن “التوجّه الروسي نحو منظومات S-300/S-400 قد يكون مسارًا إلزاميًا لسد فجوة البعيد المدى، لكن لا يجب التعامل معه كبديل أوحد، بل ضمن تركيبة هجينة تخفّف البصمة السياسية وتمنع العزل التقني. فالإلزامي الحقيقي ليس اسم المنظومة بل سيادة قرار الإطلاق، وفتح الواجهات، وسلسلة إمداد محلية”.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

تعليق واحد

  1. من الواضح والبديهي الذي لم يعد يخفى على أحد و مهما كانت درجة ثقافته السياسية ، أن جميع الأسلحة الغربية و(الامريكية) خصوصا بما فيها الطائرات التي جرى شرائها من عربان الخليج أو (الدول) العربية الموالية للغرب يمكن التحكم بها من المصانع التي أنتجتها وتدميرها عن بعد إذا لزم الأمر.
    عنا مثل بالضيعة يقول : رزقة الفهيم على البهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *