مواجهة غير معلنة بين إيطاليا وتركيا على النفوذ في ليبيا

في ظل التقارب التركي الملحوظ مع المعسكر الشرقي في ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر، تشهد الساحة الليبية تحولاً جيوسياسياً كبيراً قد يفتح الباب أمام مواجهة غير مباشرة بين إيطاليا وتركيا على النفوذ في غرب ليبيا.

هذا التحول يأتي في وقت تستعد فيه إيطاليا لتعزيز وجودها في المنطقة الغربية بدعم من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مما يهدد باندلاع حرب بالوكالة على النفوذ بين القوتين الإقليميتين.

شهدت الفترة الأخيرة تحولاً لافتاً في الموقف التركي من الأطراف الليبية، حيث قام وفد تركي عسكري واستخباراتي رفيع المستوى بزيارة إلى بنغازي. هذا التقارب يشمل مباحثات حول تعزيز التعاون العسكري والتدريبات المشتركة، بالإضافة إلى مشاريع إعمار في شرق ليبيا تنفذها شركات تركية.

كما يسعى البرلمان الليبي في الشرق إلى المصادقة على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة سابقاً مع تركيا، مما قد يمنح أنقرة شرعية أكبر في أنشطة الاستكشاف النفطي بين ليبيا وجزيرة كريت. هذا التحول الاستراتيجي يمثل نقلة نوعية في موقف أنقرة التي كانت تدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس سابقاً وحكومة الوحدة الوطنية من بعدها.

في المقابل، تتحرك إيطاليا لتعزيز وجودها في غرب ليبيا مع تقارب تركيا مع الشرق، شعرت إيطاليا بوجود فرصة مناسبة للإنفراد بالغرب الليبي حيث ترى إيطاليا موجة الغضب ضد التواجد التركي في طرابلس بعد تقاربها مع معسكر الشرق.

رداً على هذا التقارب التركي مع الشرق، بدأت إيطاليا في سلسلة من التحركات لتعزيز وجودها في غرب ليبيا. قامت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بزيارتين إلى ليبيا ووقعت اتفاقيات غاز مع حكومة الوحدة الوطنية في وقتٍ سابق.

كما أعلنت السفارة الإيطالية عن مبادرة ليبية-إيطالية للتنمية الريفية في جنوب ليبيا، بالشراكة مع وزارتي الحكم المحلي والزراعة التابعتين لحكومة الوحدة الوطنية. وهناك تقارير عن محاولات إيطالية لتعزيز وجود “الفيلق الأوروبي” في غرب ليبيا لحماية المنشآت النفطية ومكافحة الهجرة، كل هذه التحركات تأتي ضمن خطة “ماتي”.

تمثل “خطة ماتي” الإيطالية أحد الأدوات الاستراتيجية الرئيسية التي تعتمدها روما لتعزيز نفوذها في ليبيا ومنطقة البحر المتوسط، وهي تهدف بشكل واضح إلى إقصاء تركيا من معادلة النفوذ في غرب ليبيا. هذه الخطة الطموحة، التي تحمل اسم مؤسس شركة النفط الإيطالية “إيني” إنريكو ماتي، تهدف إلى إعادة تشكيل العلاقات الإيطالية-الأفريقية وتوسيع النفوذ الإيطالي في القارة الأفريقية، مع التركيز بشكل خاص على ليبيا كحلقة وصل استراتيجية.

ترتكز خطة ماتي على ثلاثة محاور رئيسية وهي تعزيز أمن الطاقة من خلال الاستثمار في قطاع النفط والغاز الليبي، ومكافحة الهجرة غير الشرعية من السواحل الليبية، ودعم الاستقرار السياسي في ليبيا.

من الناحية العملية، تسعى إيطاليا من خلال هذه الخطة إلى تعزيز وجود شركة “إيني” في قطاع الطاقة الليبي، حيث أعلنت عن استثمارات بقيمة 8 مليارات دولار في حقلين للغاز الطبيعي قبالة السواحل الليبية، مما يعزز اعتماد أوروبا على الغاز الليبي ويقلل من فرص تركيا في تعزيز نفوذها الاقتصادي في المنطقة.

في إطار مكافحة الهجرة غير الشرعية، تتعاون إيطاليا بشكل وثيق مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس لتعزيز قدرات خفر السواحل الليبي ومراقبة الحدود، وهي تستخدم هذا التعاون كذريعة لتقليل الاعتماد على الوساطة التركية في إدارة أزمة الهجرة. كما أن إيطاليا تسعى من خلال هذه الخطة إلى تعزيز دورها كوسيط رئيسي في العملية السياسية الليبية، مستغلة علاقاتها التاريخية مع النخب المحلية في غرب ليبيا لتهميش الدور التركي.

المحلل السياسي و الكاتب الصحفي عمر البدري

تعليقاً على هذه التطورات أكد الكاتب الصحفي عمر البدري أن التقارب التركي مع معسكر الشرق بقيادة المشير خليفة حفتر يمكن النظر إليه كخطوة استراتيجية لإعادة التوازن في المشهد الليبي بعد فترة من الاحتكاك مع الغرب الليبي، موضحًا أن دوافع أنقرة تشمل حماية مصالحها الاقتصادية والاستثمارية، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى ضمان قدرتها على لعب دور مؤثر في أي اتفاقيات مستقبلية.

وأضاف البدري أن هذا التقارب يعكس قدرة تركيا على المناورة بين مختلف الأطراف الليبية، بما قد يحد من سيطرة أي طرف منفرد على المشهد من دون توافق تركي، الأمر الذي يعيد تشكيل موازين النفوذ في البلاد.

وفيما يتعلق بخطة “ماتي” الرامية إلى تعزيز النفوذ الإيطالي في غرب ليبيا والضغط على أنقرة لتقليص وجودها العسكري والاقتصادي، اعتبر البدري أن نجاحها يظل محدودًا، في ظل قدرة تركيا على بناء تحالفات مع فصائل متعددة، فضلاً عن خلفية العلاقات التركية – الليبية، بما فيها اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق السابقة، الذي منح أنقرة نفوذًا استراتيجيًا في شرق المتوسط.

كما لفت البدري إلى أن اللقاء الثلاثي الأخير الذي جمع رئيس حكومة الوحدة الوطنية ورئيسة وزراء إيطاليا والرئيس التركي، يعكس رغبة الأطراف في التوازن والتفاوض المباشر، مما يجعل استبعاد تركيا بشكل كامل من المشهد الليبي أمرًا صعبًا.

وختم البدري بالقول إن المشهد الليبي الحالي يمثل صراع نفوذ غير مباشر أكثر من كونه مواجهة مسلحة مباشرة، حيث تسعى تركيا لتعزيز حضورها مقابل خطوات إيطاليا في الغرب الليبي، وقد يتطور ذلك إلى صراع بالوكالة عبر دعم فصائل وأذرع سياسية مختلفة، بينما تبقى احتمالية اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين أنقرة وروما منخفضة في ظل الضغط الدولي والرغبة المشتركة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *