دراسة تحليلية موسعة صادرة عن مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
المقدمة
دخلت مالي منذ 2022 مرحلة إعادة تشكيل معمّقة لمعادلة الأمن والسيادة بعد الانسحاب الفرنسي وتسارع انسحاب بعثة الأمم المتحدة (مينوسما). في هذا السياق أصدرت منظمة The Sentry تقريرًا موسّعًا في 27 أغسطس/آب 2025 بعنوان Mercenary Meltdown: The Wagner Group’s Failure in Mali، قدّم رواية تُحمِّل الشراكة المالية–الروسية مسؤولية تدهور أمني وإنساني وتفتّت مؤسسي.
تنطلق هذه الدراسة من منهج تثليث المصادر: قراءة تقرير The Sentry، والاحتكام إلى وثائق أممية وحقوقية ووكالات دولية، ثم وضع النتائج في إطار أوسع يشمل التطورات الاقتصادية والإقليمية، بهدف إنتاج تقييم رصين للمخاطر وخريطةٍ متوازنة للوقائع.
الفصل الأول: السياق الأمني والسياسي (2023–2025)
- انسحاب مينوسما وتسارع العنف (2023): تسارع سحب البعثة وسط ضغوط عملياتية وهجمات على الشمال، مع تدمير معدات حساسة قبل الإخلاء من كيدال (تقارير الأمم المتحدة، 2023).
- استعادة كيدال (نوفمبر/تشرين الثاني 2023): أعلنت باماكو السيطرة على المدينة ذات الرمزية العالية كمنعطف عملياتي (رويترز، 2023).
- حصار تمبكتو (أغسطس–أكتوبر 2023): فرضت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين حصارًا خانقًا شاملًا للطرق والنقل النهري والرحلات التجارية (العفو الدولية، 2024).
- تحوّل التواجد الروسي (يونيو 2025): إعلان خروج «فاغنر» وبقاء Africa Corps المرتبطة رسميًا بوزارة الدفاع الروسية، ما يغيّر الإطار القانوني والسياسي للتواجد الأجنبي (Crisis Group، الجزيرة، 2025).

الفصل الثاني: عرض موجز لتقرير The Sentry (آب/أغسطس 2025)
– الأطروحة المركزية: فشل «فاغنر» في مالي وتسبّبه في «كارثة متعددة الطبقات» تمسّ المدنيين والجيش المالي والوضع الإنساني.
– محاور الادّعاءات: انتهاكات جسيمة ترافق العمليات المشتركة؛ ارتباك في القيادة والسيطرة داخل FAMa بفعل نمط فاغنر؛ تضخيم الأثر السلبي على الوضع الإنساني؛ خسائر كبيرة في اشتباكات 2024–2025 (خاصة Tinzaouatène).
– التوصيات المعلنة: حزمة ضغط/عقوبات وتقييد التعاون مع باماكو، واستهداف شبكات التمويل والموارد.
– الإطار الاتصالي: حملة إعلامية مواكبة للتقرير عبر قنوات غربية.
الفصل الثالث: نقاط قوة وضعف منهجية The Sentry
نقاط القوة:
- جمع سرديات ميدانية متعددة وربط المسار الأمني بالسياسة الاقتصادية.
نقاط الضعف:
- كثافة الشهادات المجهّلة وغياب الأدلة المادية (نصوص، صور، وثائق قضائية).
- انتقائية المصادر: الميل إلى منصات غربية وتجاهل وثائق مضادة مثل تقارير الأمم المتحدة حول حصار JNIM لتمبكتو.
- خلط زمني بعد انتقال فاغنر إلى Africa Corps صيف 2025.
- توصيات معيارية مسبقة مثل الدعوة للعقوبات دون تقديم إثبات سببي كافٍ.
الفصل الرابع: قضايا مركزيّة موثّقة كان يجب على محرري “the sentry” وضعها في الحسبان
- بونتي/3 يناير 2021: تقرير أممي خلُص إلى مقتل 19 مدنيًا في ضربة جوية فرنسية على حفل زفاف، رغم نفي باريس.
- مورا/27–31 مارس 2022: تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان يوثّق إعدامات جماعية بمشاركة عناصر أجانب؛ حكومة مالي تحدثت عن مقتل 203 إرهابيين. (روايات متعارضة).
- ضربات الدرون/مارس–أكتوبر 2024: العفو الدولية وثّقت مقتل مدنيين في عدة هجمات.
- Tinzaouatène/يوليو–أغسطس 2024: تفاوت كبير في تقديرات خسائر فاغنر/FAMa (20–80 قتيلاً حسب المصادر).
- انسحاب فاغنر/يونيو 2025: مثبت بتقارير رويترز والجزيرة وCrisis Group، وحلول Africa Corps بديلاً رسمياً.

الفصل الخامس: قضية «التحالفات» والاصطفاف الإقليمي
في 6 يوليو 2024، أعلنت مالي والنيجر وبوركينا فاسو تأسيس كونفدرالية دول الساحل (AES) عبر معاهدة وُقعت في نيامي. هذا التحالف الجديد شكّل قطيعة مع الإيكواس، وأسس لسياسات دفاعية واقتصادية مشتركة. تقارير رويترز والجزيرة أكدت أن الخطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على القوى الغربية وتعزيز التعاون الإقليمي.
انعكاسات هذا التحالف تتجاوز الأمن، حيث تمنح الدول الثلاث مجالاً أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية، لكنها قد تثير أيضًا توترات مع المنظمات الإقليمية التقليدية ومع العواصم الغربية.
الفصل السادس: «عدم الاتساق» الذي رصده فريق مركز المستقبل
- ديافَرابيه (مايو 2025): تقرير The Sentry نسب الانتهاكات لفاغنر، بينما العفو الدولية وفيدرالية حقوق الإنسان نسبت المسؤولية للجيش المالي وميليشيا الدوزو دون ذكر فاغنر.
- خسائر Tinzaouatène: الارقام تختلف بشكل كبير (20-80 قتيلاً)، لذلك تعتبر تقريبية. (تقرير The sentry إعتمد على ارقام تقدمها الجماعات الارهابية).
- تضاعف وفيات FAMa: التقرير ذكر أن تضاعف عدد الوفيات ضمن صفوف FAMa سببه تواجد فاغنر (هذه المعلومات لا يمكن التحقق من صحتها نظراً لعدم وجودها في المصادر المفتوحة).
- الحرب ضد الإرهاب في الشمال: عمليات FAMa ضد الإرهاب في شمال مالي تم تسميتها في التقرير بعمليات احتلال الشمال المالي (إرجع الى الصفحة رقم 6 في تقرير The Sentry).
جدول تدقيق مختصر: «ادعاء» مقابل «المعطيات المتاحة»
| تقييم المركز | بيانات مالي الرسمية | ما يورده “The Sentry“ | القضية |
| لا تأكيد لتورط فاغنر؛ الرواية الرسمية: قُتل مسلحون فقط | السلطات المالية: لا خسائر في صفوف المدنيين؛ مقتل 203 مسلح واعتقال 51 | ارتكاب “فاغنر” جرائم ضد المدنيين | مورا “2022” |
| حجم الخسائر متفاوت؛ مصدر “The Sentry” محدود | القوات المسلحة المالية لم تكشف عن عدد الضحايا | مقتل 84 مقاتلاً من “فاغنر” و47 مقاتلاً من القوات المسلحة المالية (وفقاً لبيانات الطوارق) | تين زواتين “2024” |
| تحريف المعلومات | منظمة العفو الدولية: المسؤولية تقع على عاتق الجيش وميليشيا “الدوزو” | تورط فاغنر في اعتقالات وقتل مدنيين | ديافَرابيه “2025” |
| “The Sentry” تنقل طرح جبهة تحرير أزواد | أعلنت السلطات المالية عن “حملة تحرير” | شن “فاغنر” والقوات المسلحة المالية حملة عقابية ضد المدنيين (بيانات جبهة تحرير أزواد) | شمال مالي “عمليات عقابية” |
| غير مؤكد | لا توجد بيانات عامة | تضاعفت خسائر القوات المسلحة المالية مع وصول “فاغنر” | خسائر “القوات المسلحة المالية” |
| يستخدم التقرير بيانات قديمة | في يونيو/حزيران 2025، أعلنت “فاغنر” انسحاب قواتها من مالي | 2000 مقاتل | عدد قوات “فاغنر” في مالي |
الفصل السابع: قراءة نقدية متوازنة لرواية The Sentry
– الحضور السببي القاطع (فاغنر ⇒ انهيار أمني) في التقرير استنتاجي أكثر منه قياسي، إذ توجد عوامل أخرى شارحة: انسحاب بعثة الأمم المتحدة، حصار JNIM، تمرد الطوارق، إعادة هيكلة الجيش، وتحالف AES.
– الانتهاكات الجسيمة موثقة بحق أطراف متعددة (فرنسية، حكومية، جهادية، ووحدات فاغنر سابقًا)، ما يفرض مبدأ التحقيق القضائي المستقل لا الاصطفاف السردي.
– المطلوب هو إخضاع كل فقرة من تقرير The Sentry لاختبار «الدليل المفتوح» مقابل «الرواية»، مع وسم النتيجة: مثبت، متعارض، أو غير قابل للتحقق.
الفصل الثامن: توجيهات لصانعي القرار ووسائل الإعلام:
1. التمويل غير المعلن: تظل قنوات التمويل والجهة الطالبة للتقرير مجهولة الهوية؛ حيث أن “The Sentry” مسجلة في واشنطن كمنظمة غير ربحية تعد تقارير وتقدم توصيات للدول الغربية.
2. أهداف التقرير المشبوهة: يحتوي التقرير على توصيات موجهة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا، تدعو بشكل فعلي إلى التدخل في الشؤون الداخلية لمالي.
3. أوجه القصور في المضمون: يشوب التقرير أخطاء جسيمة ويعتمد على قاعدة مصادر محدودة ومراجع غير موثوقة، متجاهلاً البيانات الرسمية المالية بينما يستشهد بمقابلات مع ممثلي جماعات إرهابية.
4. التعامل مع المصادر: عند استخدام مواد “The Sentry” يجب التحقق من المصادر واختبار مصداقيتها.
5. الموضوعية المحدودة: يعكس التقرير بشكل أساسي وجهة نظر المؤلفين والمؤسسات الغربية دون اعتبار لتعددية الأبعاد في الوضع الإقليمي وموقف السلطات المحلية.
الفصل التاسع: الخلاصة والاستنتاجات
يوضح تحليل مركز المستقبل أن تقرير The Sentry يمثل عرضاً أحادي الجانب للوضع، لا يأخذ في الاعتبار العوامل الهيكلية والإقليمية. توصيات التقرير معيارية ومنحازة، بينما الوضع الفعلي في مجال العمليات الأمنية والاجتماعية أكثر تعقيداً: حيث تُلاحظ نجاحات محدودة في المجال الأمني وتشكل تحالفات إقليمية جديدة تواجه تهديداً مستمراً من الجماعات المتطرفة وضغوطاً من المنظمات الدولية لحقوق الإنسان.
ملحق (أ): عرض تفصيلي مختصر لتقرير The Sentry (8/2025)
– الفكرة العامة: فاغنر أدت إلى تفكك القيادة داخل FAMa، وتسببت بفظائع وأضعفت مكافحة الإرهاب وأضرت بالمدنيين.
– الأدلة المعروضة: مقابلات مجهّلة، روايات محلية، إحالات إلى تقارير حقوقية، وتغطية إعلامية داعمة.
– التوصيات: تصعيد العقوبات وتقييد التعاون مع باماكو وملاحقة شبكات التمويل.
ملحق (ب): قضايا مثبتة ومتعارضة – بطاقات موجزة
- بونتي 2021 (مثبت): 19 مدنيًا قُتلوا بضربة فرنسية وفق الأمم المتحدة.
- مورا 2022 (متعارض): OHCHR يوثّق مجزرة؛ الحكومة تقدّم رواية مغايرة.
- أماسراكاد/مارس 2024 (مثبت): 13 مدنيًا قُتلوا في ضربات درون.
- تينزاواتِين/يوليو 2024 (مثبت بأرقام متباينة): تقديرات الخسائر متضاربة على نحو واسع.
- خروج فاغنر/يونيو 2025 (مثبت): بقاء Africa Corps كبديل رسمي.
المراجع المختارة
- الأمم المتحدة – تقارير MINUSMA (2023).
- البنك الدولي – Mali Economic Outlook (2024).
- صندوق النقد الدولي – World Economic Outlook (2025).
- هيومن رايتس ووتش – Mali: Massacre in Moura (2022).
- العفو الدولية – تقارير عن الضربات الجوية والاعتقالات (2024–2025).
- رويترز – تقارير عن استعادة كيدال وحصار تمبكتو وخروج فاغنر (2023–2025).
- الجزيرة – تقارير عن Africa Corps وكونفدرالية AES (2024–2025).
- Crisis Group – تحليل حول إعادة هيكلة الشراكة الروسية في مالي (2025).
- دراسة مركز المستقبل (2025) – قراءة نقدية لتقرير The Sentry.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 