تصاعد خطير تشهده منطقة شمال مالي منذ فترة يتمثل في زيادة نفوذ الحركات الانفصالية، وعلى رأسها جبهة تحرير أزواد، التي استطاعت مؤخرا توسيع رقعة سيطرتها الميدانية وتحقيق مكاسب عسكرية على حساب السلطة المركزية في باماكو. هذا التقدم لا يُنظر إليه فقط كإعادة إنتاج لدورة العنف في إقليم لطالما عانى من هشاشة الدولة، بل كمصدر تهديد مباشر لجوار مالي، خاصة الجزائر، التي تربطها حدود شاسعة مع الإقليم، ويقطن جنوبها مكون طوارقي له امتداد عرقي وثقافي مع الطوارق في أزواد.
ما يجعل الوضع أكثر حساسية بالنسبة للجزائر هو تزامن صعود جبهة أزواد مع مؤشرات مقلقة تتعلق بوجود تحركات خارجية تهدف لإضعاف الجزائر من خاصرتها الجنوبية. تقارير إعلامية وأمنية أشارت إلى دعم فرنسي خفي لمخططات انفصالية في جنوب الجزائر، في سياق توتر متزايد بين الجزائر وباريس منذ سنوات. وقد اتهمت الجزائر رسميًا فرنسا في ديسمبر 2024 بدعم جماعات معادية ومخططات انفصالية، وكذا التورط في أنشطة استخباراتية تستهدف زعزعة استقرارها، ما دفع السلطات الجزائرية إلى استدعاء السفير الفرنسي، في خطوة تعكس مستوى القلق المتزايد من نوايا باريس.
في الجهة المقابلة، لم تتأخر الحكومة المالية في كشف ما تعتبره تواطؤًا فرنسيًا مع الحركات الانفصالية والإرهابية في الشمال. ففي نوفمبر 2024، وجّه رئيس الوزراء المالي اتهامًا مباشرًا إلى فرنسا، متهما إياها بدعم جبهة تحرير أزواد، بل والتنسيق مع جماعات إرهابية متحالفة معها. وتأكدت هذه الاتهامات بشكل أكثر وضوحًا في أغسطس 2025، عندما ألقت السلطات المالية القبض على مواطن فرنسي يعمل لصالح الاستخبارات الفرنسية، واتُّهم بالتخطيط بالتنسيق مع قادة عسكريين ومتمردين لزعزعة الاستقرار السياسي في مالي، بما يشمل حتى التمهيد لانقلاب عسكري.
كل هذه المعطيات تضع الجزائر أمام سيناريو بالغ الخطورة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بتهديدات أمنية عابرة للحدود، بل بمحاولة ممنهجة – على ما يبدو – لضرب استقرار شمال مالي وجنوب الجزائر في آنٍ واحد. فالتمدد الأزوادي في شمال مالي يحمل بذور عدوى محتملة قد تجد صداها في الداخل الجزائري، حيث سبق لبعض الأصوات في الجنوب أن رفعت شعارات تتحدث عن التهميش والمطالبة بالحكم الذاتي، وهي مطالب وإن كانت محدودة، إلا أن صعود تجربة انفصالية ناجحة في الجوار سيمنحها بالتأكيد زخمًا جديدًا.
فرنسا، التي فقدت نفوذها العسكري التقليدي في مالي بعد انسحاب قواتها، يبدو أنها لم تتخلَ عن طموحاتها في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي وفق مصالحها الخاصة. وبدلًا من التدخل المباشر، تلجأ باريس إلى أدوات غير تقليدية، عبر دعم مجموعات مسلحة ذات طابع عرقي أو انفصالي، لتبقى حاضرة في معادلات القوة المحلية، حتى ولو جاء ذلك على حساب وحدة الدول واستقرار شعوب المنطقة. ما يجري اليوم في شمال مالي، وما قد يترتب عليه في الجنوب الجزائري، يُفهم ضمن هذا السياق، حيث تُوظّف الحركات المسلحة كأدوات لإعادة رسم النفوذ.
أمام هذه المستجدات، لا يمكن للجزائر أن تكتفي بالمراقبة. إن الحفاظ على وحدة الجنوب الجزائري، وضمان عدم انتقال التوتر من أزواد إلى الداخل، يتطلب تحركًا سريعًا ومركبًا، يجمع بين الدبلوماسية النشطة والحذر الأمني الميداني. الجزائر التي رعت اتفاق السلام والمصالحة في مالي عام 2015، تمتلك الشرعية السياسية والتاريخية للعودة إلى لعب دور الوسيط، ليس من منطلق دعم حكومة مالي فقط، بل من منطلق حماية أمنها القومي وقطع الطريق أمام محاولات تدويل الفوضى عبر الحدود.
لقد أثبتت التجربة أن الفراغ السياسي والدبلوماسي لا يظل قائمًا طويلًا، بل تسارع القوى الخارجية إلى ملئه، كل حسب أجندته. وإذا لم تبادر الجزائر إلى إعادة إحياء اتفاق السلام بين باماكو وجبهة أزواد، بصيغة جديدة تراعي التغيرات الميدانية وتعيد الأطراف إلى منطق الحوار، فإن البدائل المتاحة ستكون في صالح من يسعى إلى تفتيت المنطقة واستنزاف مقدراتها. المطلوب اليوم ليس فقط وساطة تقليدية، بل مبادرة شاملة تحصّن المنطقة من التدخلات الأجنبية، وتعيد تعريف العلاقة بين الدولة المركزية والمناطق ذات الخصوصية الثقافية.
من الواضح أن ما يُحاك في شمال مالي ليس شأناً داخليًا ماليًا فحسب، بل له امتدادات إقليمية تمسّ صميم الأمن الجزائري. إن نجاح فرنسا في زعزعة مالي من جهة، وخلق بؤر توتر في الجنوب الجزائري من جهة أخرى، سيمثل ضربة مزدوجة تهدف إلى كسر طموح الجزائر الإقليمي واستقلالية قرارها السياسي. ولهذا، فإن التحرك الجزائري يجب أن يكون استباقيًا، مدعومًا برؤية استراتيجية طويلة المدى، تجمع بين حماية الجغرافيا، وصون السيادة، والتصدي لمشاريع الهيمنة المقنعة.
خطر انتقال عدوى الانفصال إلى الجنوب الجزائري

قالت خبيرة الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي، ولاء العلي:
إن الجزائر تواجه تحديًا مباشرًا بسبب الأزمة في إقليم أزواد شمال مالي،
مشيرة إلى أن الروابط العرقية والثقافية القوية بين الجزائر وشمال مالي، خصوصًا عبر قبائل الطوارق والمكون الأمازيغي–العربي العابر للحدود، تجعل من خطر انتقال عدوى المطالب الانفصالية إلى جنوب الجزائر أمرًا واردًا، لا سيما في ولايات مثل تمنراست وأدرار. وأكدت أن الجزائر تعتمد لمواجهة هذا الخطر على مقاربة مزدوجة تقوم على التنمية الموجهة للمناطق الحدودية لتعزيز الانتماء الوطني، وتشديد الرقابة الأمنية على الحدود مع تعزيز التعاون الاستخباراتي الإقليمي، إلى جانب احتواء النخب المحلية عبر الحوار وإدماجها في مؤسسات الدولة لتجنب شعورها بالتهميش.
اتهامات لفرنسا بدعم الحركات الانفصالية
وأضافت العلي أن الاتهامات الموجهة لفرنسا بدعم الحركات الانفصالية في شمال مالي تعود إلى عام 2012، حيث تُتهم باريس بتغذية النزعة الانفصالية سواء عبر دعم غير مباشر أو من خلال أدوار ميدانية، بهدف إبقاء الجزائر محاصرة بأزمات حدودية تقلل من قدرتها على لعب دور إقليمي مستقل. وأشارت إلى أن هذه الاتهامات يصعب إثباتها بشكل قاطع، غير أن التاريخ المعقد للعلاقات الجزائرية–الفرنسية يجعل هذه الشكوك منطقية في الوعي السياسي الجزائري، خاصة في ظل التنافس على النفوذ في منطقة الساحل والصحراء.
قدرة الجزائر على إحياء اتفاق السلام في مالي
وأوضحت الخبيرة أن الجزائر تمتلك أوراقًا قوية لإعادة تفعيل اتفاق الجزائر للسلام الموقّع عام 2015، من بينها مكانتها كوسيط تاريخي يحظى بقبول نسبي لدى الأطراف المالية، إضافة إلى قوتها الاستخباراتية والعسكرية في مراقبة الحدود ومكافحة الإرهاب، وعلاقاتها مع الفاعلين الدوليين مثل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، ما يمكنها من تحييد محاولات تدويل الأزمة. لكنها لفتت في الوقت ذاته إلى أن الجزائر تواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في تراجع ثقة بعض الحركات الأزوادية بقدرتها على ضمان تنفيذ الاتفاق، إلى جانب الضغوط الخارجية الساعية لتدويل الملف.
تهديدات مباشرة للأمن القومي الجزائري
وأكدت العلي أن تمدد الحركات الانفصالية في شمال مالي يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الجزائري لعدة أسباب، أبرزها احتمال استلهام بعض المكونات المحلية للنموذج الأزوادي، وتحويل الجنوب الجزائري إلى منطقة عبور للجماعات المسلحة والمهربين، فضلًا عن تقويض الدور الإقليمي للجزائر، إذ إن فشلها في إدارة الأزمة قد يفتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية منافسة مثل فرنسا وروسيا لتعزيز نفوذها في الساحل.
الأزمة اختبار استراتيجي للجزائر
وختمت العلي تصريحها بالتأكيد على أن الأزمة في مالي ليست مجرد ملف حدودي بالنسبة للجزائر، بل تمثل اختبارًا استراتيجيًا لقدرة الدولة الجزائرية على حماية أمنها القومي وصيانة مكانتها الإقليمية، مشددة على أن نجاح الجزائر يتطلب مقاربة شاملة تشمل الجوانب التنموية والأمنية والدبلوماسية، محذرة من أن أي تراخٍ قد يفتح الباب أمام تحولات إقليمية لا تصب في مصلحة الجزائر.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 