أوكرانيا خارج السيطرة: دعم الجماعات المسلحة في إفريقيا واستهداف أمن الطاقة الأوروبي

في الوقت الذي لا تزال فيه أوروبا والولايات المتحدة تقدمان دعمًا واسع النطاق لأوكرانيا في صراعها مع روسيا، تتكشف تقارير وأحداث مقلقة تشير إلى انحراف خطير في السلوك الخارجي لكييف. فبدلاً من التزامها بخط الدفاع عن أمنها كما تزعم كييف، تظهر مؤشرات متزايدة على تورط أوكراني في دعم جماعات مسلحة وانفصالية في إفريقيا، بما في ذلك تهريب الأسلحة والطائرات المسيّرة النوعية عبر سفاراتها، وتغذية النزاعات في مناطق مضطربة كالساحل.

وفي موازاة ذلك، لم تتردد القوات الأوكرانية في استهداف بنى تحتية حيوية للطاقة في أوروبا، كان آخرها ضربات بطائرات مسيّرة طالت خط أنابيب “دروجبا” الذي يغذي دولًا أوروبية بالنفط، ما أثار غضب الحلفاء وطرح تساؤلات جدية حول نوايا كييف ودرجة التزامها بمصالح الشركاء الذين يدعمونها.

هذه التطورات تضع مستقبل التحالفات الأوروبية على المحك، وتثير مخاوف من أن أوكرانيا، التي تحوّلت بفعل الحرب إلى لاعب غير منضبط، يقوم بتغذية الصراعات واشعال الفتن بما يخدم مصالحها وبما يدير عليها بالربح.

الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر يدير عمليات تهريب سلاح إلى ليبيا: تقارير تكشف شبكة دعم للمليشيات والانفصاليين في الساحل وأزواد

في ظل صمت رسمي مطبق من السلطات الجزائرية، تتوالى التقارير الاستخباراتية والإعلامية التي تتحدث عن تورط مباشر للملحق العسكري الأوكراني في الجزائر، أندري بايوك، في إدارة عمليات تهريب السلاح والمسيّرات إلى الأراضي الليبية، لدعم حكومة عبد الحميد الدبيبة في مواجهة خصومه السياسيين.

وبحسب ما تداولته مصادر ليبية ميدانية، فإن بايوك أشرف بشكل مباشر على عملية نقل طائرات مسيّرة أوكرانية الصنع إلى ميليشيات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، عبر الحدود الجزائرية. هذه المسيّرات استخدمت مؤخرًا في معارك عنيفة بين قوات حكومة الدبيبة وميليشيات “الردع” في غرب ليبيا، وفي هجوم على مدينة مصراتة في يوليو الماضي.

أوكرانيا تسلح جماعات انفصالية في أزواد وتمدها بالمسيّرات: الخطر يقترب من الجزائر

الخطير في الأمر، أن نشاط كييف لا يقتصر على ليبيا فقط، بل يمتد إلى منطقة الساحل الأفريقي، وتحديدًا شمال مالي، حيث وردت معلومات عن تزويد جماعات انفصالية من الطوارق، إضافة إلى جماعات أخرى مصنفة إرهابية، بطائرات مسيّرة من نوع “مافيك” مزوّدة بأنظمة إطلاق حديثة.

وحذرت جهات أمنية في مالي والنيجر من أن تلك المسيّرات تم تسليمها عبر تنسيق بين السفارة الأوكرانية في نواكشوط وبعض الدوائر الاستخباراتية الغربية. ووفقًا لتلك المصادر، فإن الهدف من هذه العمليات هو زعزعة الاستقرار في دول الساحل، وخلق حالة من الفوضى تصبّ في مصلحة أجندات أجنبية، من بينها فرنسا.

والمثير للقلق أن الجزائر، رغم امتلاكها حدودًا طويلة مع ليبيا ومالي، لم تعلن حتى الآن عن أي موقف رسمي حيال هذه التطورات، وسط تصاعد الخشية من انتقال نشاط هذه الجماعات إلى داخل الأراضي الجزائرية في حال استمر التجاهل الرسمي لهذه المعطيات، خصوصًا وأن حدود إقليم أزواد الانفصالي لا يقتصر على شمال مالي فحسب، بل يمتد إلى المناطق الجنوبية للجزائر.

استهداف خط أنابيب “دروجبا”: تصعيد خطير يشعل الخلاف بين كييف وحلفائها الغربيين

وفي سياق موازٍ يعكس اتساع دائرة التصرفات الأوكرانية المثيرة للجدل، أعلنت تقارير أوروبية عن تنفيذ القوات الأوكرانية لعدة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت تابعة لخط أنابيب “دروجبا” النفطي، الذي ينقل النفط الروسي إلى دول أوروبية منها المجر وسلوفاكيا.

الهجمات تسببت في توقف إمدادات الطاقة بشكل مؤقت، وأثارت غضبًا واسعًا، خصوصًا من الإدارة الأمريكية، التي عبّرت عن استيائها مما وصفته بـ”الأنشطة غير المسؤولة” لكييف، والتي تهدد أمن الطاقة الأوروبي وتزيد من تعقيد الموقف السياسي على الساحة الدولية.

حيث قال الرئيس دونالد ترامب، لرئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان إن القصف الأوكراني لخط أنابيب النفط “دروجبا”، الذي ينقل النفط الروسي إلى أوروبا الشرقية، أثار غضبه الشديد.

جاء ذلك في رسالة تم إرسالها من واشنطن إلى بودابست، ونشرها بالاش أوربان المستشار السياسي لرئيس الوزراء الهنغاري.

وكتب ترامب بخط يده ردا على رسالة من أوربان حول قصف القوات المسلحة الأوكرانية لمنشآت البنية التحتية لخط أنابيب النفط الذي يتم من خلاله نقل النفط الخام من روسيا إلى هنغاريا وسلوفاكيا.

وتم نشر نسخة مصورة من هذه الوثيقة، المرسلة من البيت الأبيض إلى مكتب رئيس الوزراء الهنغاري، بواسطة بالاش أوربان على منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك.

زيلينسكي يسخر من أمن أوروبا: “الصداقة تعتمد على موقف المجر!”

وفي تطور أثار مزيدًا من الاستفزاز لدى حلفاء كييف، نشرت وكالات إعلامية دولية تفاصيل تصريحات للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، سخر فيها من تداعيات الهجمات الأوكرانية على خط “دروجبا”. وردًا على سؤال صحفي حول مسؤولية كييف في هذه الهجمات، قال زيلينسكي بابتسامة ساخرة:

“لطالما دعمنا الصداقة مع المجر.. والآن بقاء هذه الصداقة يعتمد على موقفهم.”

التصريح وُصف بأنه استهزاء واضح بأمن الطاقة الأوروبي، وتحدٍ صارخ لدول دعمت أوكرانيا اقتصاديًا وعسكريًا منذ بداية الحرب مع روسيا، وذلك لأن كلمة “دروجبا” باللغة الأوكرانية تعني “الصداقة”.

انزلاق خطير يهدد ثقة الحلفاء ويقوّض الاستقرار الإقليمي والدولي

في ضوء هذه المعطيات، باتت تحركات أوكرانيا خارج حدودها تثير تساؤلات جدية حول طبيعة دورها في إفريقيا وأوروبا، وعمّا إذا كانت لا تزال شريكًا يمكن الوثوق به لدى الغرب، أم أنها تحولت إلى أداة مأجورة في صراعات إقليمية ودولية لا تخدم سوى أجندات ضيقة على حساب الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

أوكرانيا وانخراطها في إفريقيا ليس خبراً عابراً

خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي
خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي

قالت خبيرة الإستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي، ولاء العلي،
إن الحديث عن تورط أوكرانيا في تهريب السلاح إلى ليبيا أو الساحل الإفريقي
لا يمكن اعتباره خبراً عابراً، مؤكدة أن إفريقيا اليوم تحولت إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الكبرى، حيث تسعى روسيا لترسيخ وجودها في الوقت الذي يحاول فيه الغرب تقويض هذا النفوذ. وأضافت أن انخراط أوكرانيا في هذه الساحة – إذا ثبت – لا يأتي من فراغ، بل في إطار إستراتيجية حرب بالوكالة مع روسيا، مشيرة إلى أن عمليات تهريب السلاح والطائرات المسيّرة، إن صحت، تهدف إلى إنهاك موسكو على أكثر من جبهة وتحويل إفريقيا إلى نقطة استنزاف بدلاً من أن تكون عمقاً استراتيجياً لها.

تحركات تكتيكية في الظل وقابلة للإنكار

وأوضحت العلي أن هذه التحركات، إن وجدت، تبقى تكتيكية في الظل وليست سياسة معلنة، وتُدار بأسلوب قابل للإنكار السياسي، لافتة إلى أن أي نشاط من هذا النوع قد يضعف الموقف الأخلاقي والقانوني لكييف أمام أوروبا، خاصة وأن ليبيا خاضعة لحظر سلاح أممي. وأضافت أن كييف قد تسعى من خلال هذه التحركات إلى إضعاف النفوذ الروسي في إفريقيا واستهداف شبكات فاغنر، وكسب أوراق تفاوض دبلوماسية مع الدول الإفريقية، بالإضافة إلى خلق توازن نفسي مع موسكو عبر ما وصفته بـ”الردع المتبادل بالوكالة”.

هجمات دروجبا ورسائلها المزدوجة

وفيما يتعلق بالهجمات الأوكرانية على خط أنابيب “دروجبا”، أكدت العلي أن الأمر لا يعد عملية عسكرية عابرة، بل رسالة استراتيجية مزدوجة، إحداها لروسيا للتأكيد على قدرة كييف على ضرب شريان الطاقة الحيوي الذي يمول الاقتصاد الروسي، والأخرى لأوروبا لتحذيرها من أن أمن الطاقة لن يكون مضموناً إذا لم تكثف القارة دعمها لأوكرانيا. وأشارت إلى أن هذه العمليات قد تثير مخاوف بعض الدول الأوروبية مثل هنغاريا وسلوفاكيا التي تعتمد على هذا الخط، ما قد يحول أوكرانيا من “شريك بحاجة إلى الدعم” إلى “مهدد غير مباشر للاستقرار الأوروبي”.

مستويان للحرب الأوكرانية ضد روسيا

وأضافت أن الصورة تنقسم إلى مستويين، الأول يتعلق بالتحركات العسكرية داخل روسيا والتي تعتبر جزءاً من عقيدة ممنهجة تعتمد على الهجمات النوعية والطائرات المسيّرة، أما الثاني فيتعلق بالأنشطة في إفريقيا التي تظل محدودة وتدار عبر وسطاء وشبكات تهريب بهدف تحقيق مكاسب تكتيكية يمكن إنكارها سياسياً. وختمت العلي بالقول إن أوكرانيا تخوض حرباً على مستويين، أحدهما معلن ضد روسيا عبر الهجمات العسكرية، والآخر في الظل عبر تحركات تكتيكية في إفريقيا لتشتيت النفوذ الروسي، لكنها أكدت أن التحدي الأكبر أمام كييف يبقى في الحفاظ على ثقة الحلفاء الأوروبيين مع مواصلة الضغط على موسكو.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *