خبز السودانيين على بازار السياسة.. خطة غربية لإخضاع الحكومة السودانية عبر القمح الأوكراني

راكمت الحرب الدائرة في السودان سلسلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي أثقلت كاهل الشعب السوداني وأوصلته إلى ما يوصف بأنها أكبر أزمة إنسانية على مستوى العالم.

يأتي ذلك وسط انقسام سياسي وعسكري حاد بين القوى السياسية السودانية يهدد بتقسيم البلاد، في مشهد يعيد للأذهان أزمة انفصال جنوب السودان.

وبحسب العديد من الخبراء والمراقبين فإن هناك أيادي خارجية وداخلية تساهم بشكل مباشر في خلق أزمات اقتصادية وإنسانية تستهدف بشكل مباشر لقمة عيش المواطن السوداني وتستخدمها كورقة ضغط سياسية.

المجاعة تنهش السودان
رسمت الأمم المتحدة صورة قاتمة للوضع الإنساني في السودان، بعد مرور أكثر من 25 شهراً من الحرب الدامية بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، إذ أكدت في تقريرها الأخير بشأن الأمن الغذائي والمجاعة أن الأزمة الغذائية في البلاد وصلت إلى أسوأ مستوياتها في تاريخ السودان.

وذكر المرصد العالمي للجوع في تقريره لعام 2025 أن نطاق المجاعة في السودان اتسع ليشمل 5 مناطق سودانية، بما في ذلك مخيمات زمزم والسلام وأبو شوك للنازحين داخليا، وفي جبال النوبة الغربية، وتوقع أن تتأثر 5 مواقع إضافية – جميعها شمال دارفور.

“الدعم السريع” تجوّع سكان دارفور.. مطالبات بتحرّك عاجل
بدوره طالب حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، في تصريح صحفي، بضرورة التحرك العاجل لإنقاذ الأوضاع في الفاشر بشمال دارفور، التي تحاصرها قوات “الدعم السريع” منذ أكثر من عام، وتمنع وصول المساعدات الإنسانية إليها، ما أدى إلى تردي الأوضاع وتفشي المجاعة وسط الأهالي العالقين.

وقال مناوي: “إن الفاشر محاصرة، وهناك برود شديد في التعامل معها من كثير من الاتجاهات والمنظومات، وحتى من الدولة نفسها، خاصة بعد خروج الدعم من الخرطوم والجزيرة” وتابع: “يجب أن تُنقذ الفاشر وتُنقذ دارفور”.

وتنشر “الدعم السريع” مئات المقاتلين في الطرق المؤدية إلى العاصمة التاريخية لإقليم دارفور، لمنع وصول السلع والإغاثة والأدوية إلى المدينة، التي شُيدت حولها خنادق عميقة لتشديد الحصار المفروض عليها منذ أبريل 2024.

واتهم مناوي الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية في الفاشر، اثر الحصار الذي تفرضه، ومنع دخول الإغاثة والمساعدات، وتدمير المؤسسات، خاصة المستشفيات. مشيراً إلى أن الدعم السريع تقتل الذين يفرّون من الفاشر بدواعٍ عنصرية وقبلية.

أسباب المجاعة في السودان
في سياق متصل، وصفت مديرة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” إيديم أونوسوروا، الأزمة الإنسانية التي تعصف بالسودان بأنها “من صنع البشر”.

قال الباحث الاستراتيجي المتخصص في شؤون القرن الإفريقي، أمية يوسف حسن أبو فداية، إنه لا توجد دلائل

الباحث الاستراتيجي المتخصص في شؤون القرن الإفريقي أمية يوسف حسن أبو فداية

مباشرة تشير إلى أن القوى الدولية تستخدم ملف القمح أو الأمن الغذائي كورقة ضغط مباشرة لإجبار الحكومة السودانية على الخضوع، لكنه أشار إلى أن الحرب الأوكرانية أثرت بشكل غير مباشر على واردات القمح، مما خلق حالة من الاعتماد على المعونات الدولية وقيد السياسات الغذائية كوسيلة ضغط ضمنية. واستشهد ببرامج مثل “Grain from Ukraine” التي أرسلت شحنات إلى السودان، مصنفاً طابعها بأنه يندرج ضمن الإغاثة أكثر من كونه أداة ضغط سياسي مباشر.

وأضاف أبو فداية أن الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023 قد أدت إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث يواجه أكثر من 8 ملايين شخص انعداماً للأمن الغذائي، بينهم ما يزيد عن 600 ألف شخص في مرحلة المجاعة (IPC Phase 5)، خاصة في ولايات دارفور الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وأشار إلى انهيار الإنتاج الزراعي بانخفاض بلغ 46% في محاصيل الحبوب، إلى جانب عمليات النهب والحرق التي طالت المزارع بولاية الجزيرة قبل تحريرها من قبل القوات المسلحة.

وأوضح الباحث الاستراتيجي أن قوات الدعم السريع تتحمل مسؤولية عرقلة وصول المساعدات الإنسانية من خلال النهب والحصار والقيود الإدارية، خاصة في مدينة الفاشر المحاصرة منذ قرابة العام. ونتيجة لذلك، ارتفعت حالات سوء التغذية الحادة بين الأطفال، وزادت وفيات المجاعة، وانتشرت الأمراض مثل الكوليرا في عدة ولايات. واعتبر أن دمج الحرب والاستهداف الممنهج للتغذية أدى إلى أزمة كارثية، مؤكداً أن ما يحدث “لا يُعد مجرد نتيجة جانبية بل استراتيجية حقيقية يُستخدم فيها الغذاء كسلاح حرب”.

وفيما يتعلق بالوضع في دارفور، أضاف أبو فداية أن قوات الدعم السريع تفرض حصاراً خانقاً على مدينة الفاشر ومحيطها منذ أكثر من عام، مما حال دون وصول الغذاء والدواء والمساعدات، وقد تم تأكيد حالة المجاعة في مخيمات مثل زمزم وأبو شوك. وذكر أن هذه القوات شنت هجمات مستمرة على المخيمات وحولتها إلى مسارح للعنف، مستخدمةً الغذاء والحصار كوسيلة للانتقام والضغط السياسي على القوات الحكومية لتخفيف الضغط العسكري في جبهات أخرى.

وأضاف أبو فداية أن هذه الممارسات تعزز الانقسامات الجهوية والعرقية وتعمّق الشعور بالتهميش، مما قد يدفع نحو تدخل دولي أكبر سواء من الأمم المتحدة أو القوى الإقليمية. وحذر من أن الحصار على دارفور ومحاولات قوات الدعم السريع تشكيل حكومة موازية قد يقود إلى تكرار نمط “التقسيم الفعلي” الذي سبق انفصال جنوب السودان، مستدركاً أن هذا السيناريو قد يفشله تماسك القوات المسلحة والالتفاف الشعبي حولها، بالإضافة إلى الممارسات غير الإنسانية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، والتي تجعل من الصعب قبولها كشريك في أي حكومة مستقبلية.

 


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *