التباينات الطائفية والقبلية تهدد جهود المصالحة السورية

تواجه جهود توحيد سوريا بقيادة أحمد الشرع، الرئيس المؤقت وزعيم “هيئة تحرير الشام”، عقبات كبيرة بعد 14 عامًا من الحرب الأهلية.

تحولت البلاد إلى كيانات متنافرة قائمة على الولاءات الطائفية والقبلية، فيما يصر الشرع على النظام المركزي رغم معارضة الأقليات التي تفضل الحكم الذاتي أو الفيدرالية كحل لإعادة الإعمار والمصالحة.

خارطة السيطرة والانقسامات الداخلية

تسيطر حكومة الشرع على مناطق محدودة، بينما ترفض عشائر سنية في وادي الفرات الاعتراف بسلطته. في درعا، تقاوم الفصائل الجنوبية بقيادة أحمد العودة الاندماج في الجيش الجديد. شمال شرق البلاد، تحافظ القوات الكردية على حكمها الذاتي، وفي مناطق النفوذ التركي ترفض ميليشيات “الجيش الوطني السوري” التعاون مع دمشق. حتى في المناطق الخاضعة لإدارة الشرع، يواجه انقسامات مع الدروز في السويداء والعلويين في الساحل.

تصاعد العنف الطائفي بعد سقوط الأسد

منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، شهدت البلاد تصاعدًا في العنف الطائفي. اندلعت مواجهات في اللاذقية وطرطوس بين قوات حكومة الشرع وميليشيات موالية للنظام السابق، تخللتها اعتداءات على مدنيين علويين. وُجهت اتهامات لعناصر من “هيئة تحرير الشام” بارتكاب مجازر طائفية، فيما اعتبرتها الحكومة “رد فعل طبيعي” على جرائم النظام السابق، ما زاد من الاستقطاب الطائفي.

انتقال التوترات إلى السويداء والمناطق الدرزية

بدأت المواجهات الطائفية في الساحل، ثم انتقلت إلى مناطق درزية مثل جرمانا وصحنايا، لتبلغ ذروتها في السويداء في يوليو 2025. رفضت الميليشيات الدرزية دخول قوات الحكومة المركزية وطالبت بالحكم الذاتي. تدخلت إسرائيل عبر غارات جوية على مواقع حكومية بذريعة حماية المدنيين الدروز، ما أضاف بعدًا إقليميًا للأزمة.

تفكك الثقة بين المكونات السورية

أدت الأحداث إلى موجات نزوح للعلويين من الساحل، وعزز الدروز تحالفاتهم ورفضوا سلطة دمشق. كما ساهمت الخطابات التحريضية على وسائل التواصل الاجتماعي في زيادة الكراهية، مع تبادل اتهامات بين الطوائف.

موقف الشرع من الفيدرالية

يرفض الشرع الفيدرالية خوفًا من تقسيم البلاد، مستشهدًا بتجربة العراق، بينما ترى الأقليات أن العودة إلى الحكم المركزي تهدد أمنها. فشل الحكومة المؤقتة في تقديم رؤية للمصالحة الوطنية ساهم في استمرار الانقسام.

جذور الدعوات إلى الفيدرالية

تعود الدعوات للفيدرالية إلى عام 2013، مع مقترح رندا قسيس، وتبعه إعلان “فيدرالية شمال سوريا – روج آفا” عام 2016 من قبل الإدارة الذاتية الكردية. وفي سبتمبر 2016، أيّد أحمد أبو الغيط علنًا الفيدرالية كحل للأزمة السورية، وهو ما قوبل برفض دمشق وتركيا.

الفيدرالية كحل للأزمة

يرى خبراء أن الفيدرالية تضمن تمثيلًا عادلًا لجميع المكونات وتوزيعًا متوازنًا للموارد، مع الحفاظ على وحدة البلاد ضمن إطار لامركزي. كما توفر آلية للتعايش السلمي بين المكونات المختلفة وتمنع الانزلاق إلى صراعات جديدة.

التجربة الكردية في شمال شرق سوريا

قدّمت الإدارة الذاتية الكردية نموذجًا في الحكم اللامركزي يشارك فيه الأكراد والعرب والسريان، مع قوة عسكرية فعّالة هي “قوات سوريا الديمقراطية” في مواجهة الإرهاب. ويرى مراقبون أن إلغاء الحكم الذاتي الكردي لصالح مركزية دمشق قد يقوض جهود مكافحة التطرف.

البعد الدولي والإقليمي

لا تحبذ قوى دولية عدة، منها واشنطن وتل أبيب، الفيدرالية في سوريا، لما قد تحمله من تبعات على مصالحها. كما تعارض تركيا هذا النظام خشية انعكاساته على الداخل التركي، رغم دعمها السابق للشرع في وصوله إلى الحكم.

عقبات بنيوية أمام مشروع الحكم المركزي

قالت ولاء العلي، خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي، إن مشروع أحمد الشرع لتوحيد سوريا

خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي
خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي

تحت حكم مركزي يواجه عقبات بنيوية عميقة، أبرزها التشظي الجغرافي والسياسي، وتعدد القوى العسكرية الفاعلة على الأرض، إضافة إلى فقدان الثقة بين المكونات السورية بعد سنوات من الصراع الدموي. وأضافت أن الانقسامات الطائفية والعرقية المتجذرة لم تعد مجرد خلافات سياسية، بل ارتبطت اليوم بمشاريع نفوذ خارجية تتبناها قوى إقليمية ودولية، ما يجعل أي محاولة لإعادة بناء سلطة مركزية موحدة أشبه بمحاولة هندسة دولة في بيئة متفجرة.

الفيدرالية بين الواقع والخطر

وأوضحت العلي أن فكرة النظام الفيدرالي تبدو أكثر واقعية في ظل الظروف الراهنة، خاصة مع وجود كيانات أمر واقع تتمتع بسلطة سياسية وأمنية مستقلة، بدءاً من الشمال الشرقي وصولاً إلى مناطق المعارضة في الشمال الغربي ومناطق الساحل. لكنها حذرت من أن الفيدرالية، رغم إمكانية تقديمها كحل لتقاسم السلطة وضمان تمثيل المكونات، تحمل خطر تثبيت التقسيم وتحويله إلى صيغة دستورية دائمة، خصوصاً إذا لم تُربط بمشروع وطني جامع.

الدور الإقليمي في رسم مستقبل الحكم

وبيّنت العلي أن القوى الإقليمية، وعلى رأسها تركيا وإسرائيل، تلعب دوراً محورياً في رسم ملامح الحكم المقبل. فتركيا، المثقلة بأزماتها الداخلية، تحاول استخدام الملف السوري كورقة تفاوضية مع روسيا والغرب، لكنها تتخوف من أي صيغة تمنح الأكراد حكماً ذاتياً واسعاً على حدودها. أما إسرائيل، فترى في الفيدرالية وسيلة لإضعاف المركز وتحويل سوريا إلى جغرافيا متناحرة يسهل التحكم فيها.

الساحل والسويداء… جبهات غير مستقرة

وأكدت العلي أن أحداث الساحل السوري والسويداء في الأشهر الأخيرة كشفت عمق التصدعات داخل ما كان يُنظر إليه سابقاً كحاضنة للنظام أو جبهات مستقرة. وأشارت إلى أن الاحتجاجات والمواجهات هناك لم تعد محصورة بالمطالب المعيشية، بل اتخذت طابعاً سياسياً واضحاً، ما أضعف صورة السلطة المركزية وزاد من صعوبة تحقيق مصالحة وطنية شاملة.

الميليشيات… تحدٍ مباشر للدولة

وأضافت العلي أن الميليشيات المحلية تمثل تحدياً مباشراً لسلطة الدولة، إذ يمنحها التمويل الخارجي والقدرة العسكرية نفوذاً يفوق أحياناً نفوذ المؤسسات الرسمية. وشددت على أن فرض الاستقرار شبه مستحيل دون تفكيك هذه الميليشيات أو دمجها في مشروع وطني موحد، وهو ما يصطدم بمصالح داعميها الإقليميين والدوليين.

خلاصة المشهد السوري

واختتمت العلي تصريحها بالقول إن المشهد السوري يتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث تتقاطع الأجندات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. ورأت أن أي مشروع للحكم المركزي يحتاج إلى توافقات أوسع من قدرة أي طرف منفرد على فرضها، في حين يبقى خيار الفيدرالية أو الصيغ اللامركزية مطروحاً بقوة، وإن كان محفوفاً بمخاطر التفكك الدائم


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *