سوريا بين ضرورات الوحدة ومقتضيات إعادة الضبط الإقليمي: رؤية استراتيجية لمستقبل الدولة ودور الفيدرالية

خاص | مركز المستقبل

المقدمة

تُعدّ سوريا اليوم أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، ليس فقط بسبب موقعها الاستراتيجي وتشابك مصالح القوى الدولية والإقليمية فيها، بل أيضًا نتيجة التوازنات الداخلية الدقيقة بين المكوّنات الدينية والإثنية. منذ عام 2011، شهدت البلاد تحولات جذرية شملت انهيارات أمنية واقتصادية، وتغيرات في البنية السياسية، وتدخلات خارجية مباشرة، وصولًا إلى عام 2024 الذي مثّل نقطة انعطاف كبرى بعد تغير القيادة السياسية في دمشق.

في هذا السياق، تتقاطع عدة عوامل تؤثر في مستقبل سوريا: الضغوط الإسرائيلية في الجنوب، التوازنات الروسية–الأمريكية، الانخراط العربي في مسارات التسوية، واستمرار العقوبات الدولية. ومع تزايد الحديث عن نماذج للحكم تتراوح بين المركزية المشددة والفيدرالية، يصبح من الضروري صياغة رؤية استراتيجية متكاملة توازن بين وحدة الدولة وحقوق المكونات المحلية، وتحفظ سيادتها أمام التحديات الإقليمية.

أولًا: الثوابت الروسية في الملف السوري

منذ تدخلها العسكري في عام 2015، وضعت روسيا ثلاثة مبادئ أساسية لسياساتها تجاه سوريا:

  • الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسيادتها.
  • دعم حل سياسي شامل يضم جميع المكوّنات.
  • منع أي سيناريو يؤدي إلى تقسيم البلاد أو انهيار مؤسساتها المركزية.

الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس يمنح موسكو نفوذًا مباشرًا على مسار الصراع ويجعلها لاعبًا ضامنًا لأي ترتيبات أمنية مستقبلية، خصوصًا في الجنوب حيث تتقاطع المصالح الإسرائيلية والأردنية والأمريكية. كما تستخدم روسيا عضويتها الدائمة في مجلس الأمن للتأثير في قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بسوريا، وخاصة تلك المتعلقة بالمساعدات الإنسانية والعقوبات.

ثانيًا: الديناميات الإسرائيلية في الجنوب السوري

يشهد الجنوب السوري، وخاصة محافظتي القنيطرة والسويداء، ضغوطًا إسرائيلية متصاعدة تحت ذريعة حماية الأقليات، مع طرح مشاريع لإقامة منطقة منزوعة السلاح تمتد من الجولان إلى عمق الأراضي السورية. هذه التحركات تترافق مع ضربات جوية تستهدف مواقع عسكرية وبنية تحتية حساسة في دمشق ومحيطها.

الأهداف الإسرائيلية يمكن تلخيصها في:

  • تأمين الحدود الشمالية لإسرائيل عبر إنشاء حزام أمني غير معلن.
  • منع أي تموضع لقوات معادية قرب الجولان.
  • التأثير على مسار التسوية لضمان ترتيبات أمنية طويلة الأمد تصب في مصلحة تل أبيب.

ثالثًا: التحولات السياسية بعد 2024

التغير السياسي الذي شهدته دمشق في أواخر 2024 أفرز قيادة جديدة تتبنى نهجًا أكثر براغماتية في إدارة الملفات الداخلية والخارجية، مع الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع روسيا. من أبرز ملامح هذا التحول:

  • مراجعة بعض الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية السابقة بما يتناسب مع الأولويات الوطنية.
  • التركيز على رفع العقوبات الدولية لتحفيز الاقتصاد.
  • الإبقاء على التعاون العسكري والأمني مع روسيا كضمانة لاستقرار الدولة.

هذا النهج يفتح المجال أمام ترتيبات جديدة مع القوى الإقليمية، بما في ذلك دول عربية مؤثرة، لتشكيل مظلة دعم سياسي واقتصادي.

رابعًا: فرص موسكو في منع التصعيد وضبط التوازنات

تمتلك روسيا القدرة على لعب دور الضامن لأي اتفاق أمني في الجنوب السوري، من خلال:

  • تثبيت خطوط وقف إطلاق النار بين القوات السورية والإسرائيلية.
  • تأسيس آليات مراقبة ميدانية مشتركة بمشاركة أطراف عربية، وخاصة الأردن.
  • دمج الترتيبات الأمنية مع حوافز اقتصادية وإنسانية تخفف من حدة العقوبات وتدعم إعادة الإعمار في المناطق المتضررة.

هذه الفرص إذا ما استُثمرت، يمكن أن تمنع تشكل أمر واقع جديد يهدد وحدة سوريا، وفي الوقت نفسه تمنح جميع الأطراف المعنية مستوى من الطمأنينة الأمنية.

خامسًا: السيناريوهات المحتملة

1. سيناريو التهدئة المستدامة (الأكثر ترجيحًا إذا توفرت ضمانات)

  • اتفاق شامل لوقف إطلاق النار في الجنوب.
  • دوريات مراقبة روسية–عربية مشتركة.
  • إطلاق مسار سياسي داخلي موازٍ.

2. سيناريو التصعيد المتدرج

  • استمرار الضربات الجوية المتبادلة.
  • توسع نطاق المناطق العازلة.
  • تآكل سلطة الدولة المركزية في بعض المناطق.

3. سيناريو التسوية الأمنية–الاقتصادية

  • اتفاق أمني طويل الأمد مع إسرائيل بضمانات دولية.
  • رفع جزئي للعقوبات مقابل التزامات أمنية واضحة.
  • مشاريع إنسانية وتنموية بإشراف رقابي.

سادسًا: الفيدرالية كخيار استراتيجي لمستقبل سوريا

الفيدرالية ليست بالضرورة مقدمة للتقسيم، بل يمكن أن تكون أداة للحفاظ على وحدة الدولة إذا صُممت بشكل دقيق، من خلال:

  • توزيع السلطات بين المركز والأقاليم بما يضمن سيطرة اتحادية على الملفات السيادية (الدفاع، الخارجية، العملة، الموارد الاستراتيجية).
  • منح صلاحيات خدمية وتنموية للأقاليم لإدارة شؤونها المحلية بفعالية.
  • توزيع عادل للموارد وفق معايير سكانية واقتصادية واضحة.
  • تأسيس قضاء دستوري مستقل للفصل في النزاعات بين المركز والأقاليم.

فوائد الفيدرالية:

  • استيعاب التنوع العرقي والطائفي ضمن إطار الدولة.
  • تقليل النزعات الانفصالية عبر تمثيل محلي شرعي.
  • تعزيز التنمية المتوازنة بين المناطق.

مخاطر الفيدرالية إذا أسيء تطبيقها:

  • تكريس الانقسامات الجغرافية والسياسية.
  • خلق مراكز نفوذ محلية خارج السيطرة الاتحادية.

سابعًا: التوصيات

  • إطلاق حوار وطني شامل يضم كافة المكوّنات لبحث مستقبل الحكم وصيغة الفيدرالية.
  • تثبيت اتفاق أمني جنوبي بضمانات دولية وعربية.
  • ربط الترتيبات الأمنية بحوافز اقتصادية لتحسين الوضع المعيشي للسكان.
  • تعزيز الشراكة مع روسيا كضامن رئيسي للاستقرار.
  • إصلاح البنية الإدارية والمالية بما يتناسب مع نموذج فيدرالي متماسك.

الخاتمة

سوريا تقف اليوم أمام خيارين استراتيجيين: إما الاستمرار في نموذج مركزي متصلب قد لا يصمد أمام الضغوط الداخلية والخارجية، أو الانتقال إلى صيغة فيدرالية مدروسة تحافظ على السيادة وتستوعب التنوع. نجاح أي مسار يعتمد على قدرة القيادة السورية على بناء توافق داخلي، واستثمار الشراكات الدولية، وتحويل التحديات الإقليمية إلى فرص لتحقيق الاستقرار والتنمية. الفيدرالية، إذا ما أُحسن تصميمها وتنفيذها، قد تكون الضمانة الأهم للحفاظ على وحدة سوريا في مواجهة مشاريع التقسيم وأجندات القوى الخارجية.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

نفوذ روسي بأدوات اقتصادية: دراسة استراتيجية بعد زيارة الشرع لموسكو

مستقبل العلاقات السورية–الروسية بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو (15 أكتوبر 2025): السيناريوهات، المخاطر، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *