من دمشق إلى تل أبيب عبر باريس: ماذا بعد أول اجتماع رسمي بين سوريا وإسرائيل؟

إعداد: مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر | يوليو 2025

أولاً: مقدمة عامة – الحدث وتوقيته

في تحوّل غير مسبوق في الخارطة الدبلوماسية الإقليمية، كشفت مصادر دبلوماسية غربية موثوقة عن عقد اجتماع رسمي رفيع المستوى بين وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، في العاصمة الفرنسية باريس. الاجتماع تم برعاية أمريكية مباشرة من قبل توم باراك، المبعوث الخاص للملف السوري.

ورغم غياب البيانات الرسمية من الطرفين، إلا أن تأكيد الاجتماع بحد ذاته يشكّل نقطة تحوّل حرجة في مسار الصراع العربي–الإسرائيلي، ويعيد فتح تساؤلات واسعة حول مستقبل التوازنات في الجنوب السوري، وارتدادات هذا اللقاء على العلاقات السورية – الخليجية، والسورية – العربية.

هذا الحدث لا يمكن فصله عن سلسلة تحوّلات تشهدها المنطقة منذ توقيع اتفاقيات التطبيع المعروفة بـ\”اتفاقيات أبراهام\”، ولا عن تصور استراتيجي أعمق لطبيعة النظام الإقليمي الذي سعى منظّرو السياسة الواقعية، وعلى رأسهم هنري كيسنجر، إلى تشكيله منذ سبعينيات القرن الماضي.

ثانياً: خفايا الاجتماع ودلالاته السياسية

بحسب التسريبات، ركّز الاجتماع على ثلاث ملفات رئيسية:

  • ضبط النفوذ الإيراني جنوب سوريا.
  • مستقبل القوات الروسية في الساحة السورية.
  • احتمالات فتح قنوات تجارية وأمنية مباشرة (لكن غير معلنة) بين تل أبيب ودمشق.

غياب البيان الرسمي ليس دليلاً على محدودية الاجتماع، بل على العكس، يندرج ضمن نمط متكرّر في التفاوض السري بين أطراف خصومة عالية الحساسية. هذا ما أكّده هنري كيسنجر في كتابه World Order حين أشار إلى أن “الترتيبات الفاعلة تبدأ غالبًا في غرف غير رسمية، حيث يُترك الخطاب الأيديولوجي جانبًا، ويُبحث عن الممكن الواقعي” (Kissinger, 2014, p. 87).

ووفقاً لهذا المنظور، فإن الاجتماع لا يُفهم فقط كـ\”حدث تفاوضي\”، بل كإشارة ضمنية إلى نضوج شروط استراتيجية جديدة في الإقليم.

ثالثاً: الأساس النظري – كيسنجر والنظام الإقليمي المحيط بإسرائيل

يرى كيسنجر أن استقرار إسرائيل لا يتحقق بإنهاء الحروب فقط، بل عبر اندماج تدريجي لها في منظومة شرق أوسطية يقودها التوازن، لا الشعارات.

وقد أوضح في World Order أن الدول المحيطة بإسرائيل ستضطر \”إما للاعتراف بها ضمن بنية إقليمية تضمن التوازن، أو ستواجه تفكيكًا داخليًا مستمرًا\” (p. 113).

انطلاقًا من هذا التحليل، يمكن قراءة الاجتماع في باريس كبداية مشروطة لإعادة دمج سوريا في منظومة إقليمية جديدة، شرط تحوّل النظام السوري من محور الممانعة إلى براغماتية إقليمية تقبل بإسرائيل كجزء من المعادلة لا كعدو مطلق.

رابعاً: السيناريوهات المحتملة

1. الجنوب السوري:

السيناريو الأقرب: منطقة منزوعة النفوذ الإيراني

  • إعادة تموضع الفصائل المسلحة غير النظامية.
  • نشر عناصر من \”الفرقة 15\” تحت إشراف روسي رمزي لضمان \”الانضباط الأمني\”.
  • تحييد إيران عبر إغلاق الحدود أمام الحرس الثوري أو عناصر حزب الله.

هذا السيناريو يستند إلى تجربة مشابهة في منطقة الشريط الحدودي اللبناني بين 2006 و2010، حيث تم استبدال التمركز الإيراني بوجود دولي بعد اتفاقيات ضمنية بين تل أبيب وطهران عبر وسطاء أوروبيين.

السيناريو البديل: مقاومة داخلية للترتيبات

قد تظهر مقاومة من جماعات محلية رافضة لأي تفاهم مع إسرائيل، خصوصًا من بقايا فصائل المعارضة المتشددة أو مجموعات ذات ارتباط عقائدي بإيران، مما يفتح الباب أمام صدامات محدودة على شكل \”أمن مجتمعي متمرد\”.

2. العلاقات السورية – الإسرائيلية:

السيناريو الممكن: \”سلام أمني صامت\”

  • لا توقيع اتفاق رسمي، ولكن:
  • فتح قناة أمنية ثابتة بين الأجهزة.
  • ترتيبات خاصة بملف الجولان (زيارات دينية محدودة، مشاورات حول المياه).
  • تبادل معلومات أمنية بخصوص نشاط الجماعات الإيرانية.

هذا السيناريو يطابق ما سمّاه كيسنجر \”سلام ما دون الرسمي\” (Sub-diplomatic Peace) الذي يسمح ببقاء حالة اللا حرب بلا صدام مباشر (Kissinger, 2014, p. 126).

السيناريو المتشائم: انتكاسة داخلية تُفجّر العملية

  • معارضة شديدة داخل مؤسسة الجيش السوري.
  • ضغوط إيرانية عبر أدوات ميدانية.
  • فشل واشنطن في تحييد موسكو عن الملف.

3. العلاقات السورية – الخليجية:

السيناريو الإيجابي: عودة تدريجية للتكامل العربي

  • ترحيب إماراتي وسعودي غير مباشر بالخطوة، ضمن تصور “إعادة سوريا إلى العمق العربي”.
  • فتح استثمارات مبدئية في قطاع الطاقة وإعادة الإعمار.
  • تخفيف الشروط الخليجية المرتبطة بالتحالف الإيراني.

هذا المسار مدعوم برؤية براغماتية خليجية مشابهة لما حدث مع العراق بعد 2008.

السيناريو المقيّد: تطبيع مشروط بالمسافة من طهران

  • اشتراط خروج كامل للميليشيات الشيعية من الجنوب والبادية.
  • مراقبة صارمة لأي تفاهم مع إسرائيل قد يضر بالقضية الفلسطينية.

4. العلاقات السورية – العربية (غير الخليجية):

السيناريو الواقعي: انقسام عربي ناعم

  • دول مثل الأردن ومصر قد ترى الخطوة واقعية وتؤيدها ضمنيًا.
  • الجزائر وتونس والعراق قد تندد بالاجتماع كمخالفة لثوابت القضية الفلسطينية.

هذا يعيد إلى الأذهان الانقسام العربي بعد اتفاقيات كامب ديفيد 1979.

خامساً: المقارنة التاريخية – ما الذي يختلف اليوم عن أوسلو ووادي عربة وأبراهام؟

  • أوسلو (1993): انطلقت من رغبة سياسية مباشرة من القيادة الفلسطينية والإسرائيلية، لكنها انهارت بسبب غياب قوة ضامنة. أما اجتماع باريس فمدعوم برعاية أمريكية ثقيلة قد توفر ضمانات عملية.
  • وادي عربة (1994): اتفاق تقني–حدودي أكثر من كونه اندماج سياسي. سوريا لن تذهب إلى وادي عربة جديدة بل إلى \”نموذج وظيفي أمني\”.
  • اتفاقيات أبراهام (2020–2022): افتقرت إلى قاعدة شعبية عربية واسعة. أما في سوريا، فـ\”تطبيع بلا تطبيع\” قد يحمي النظام من النقد الداخلي.

سادساً: خلاصة تحليلية

الاجتماع الذي جرى في باريس ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة في مشروع أكبر لإعادة تشكيل المنظومة الأمنية الإقليمية، بما يضمن استقرار إسرائيل عبر نزع الألغام الاستراتيجية المحيطة بها (الجولان، جنوب سوريا، الميليشيات الإيرانية).

في ضوء ذلك، فإن التحوّل في الموقف السوري – إذا تكرّس – سيكون جزءًا من رؤية واقعية لطبيعة التوازن القادم في الشرق الأوسط، كما تنبأ بها هنري كيسنجر. لكنه سيبقى مرهونًا بعدة عوامل:

  • قدرة دمشق على إدارة التوازن بين موسكو وطهران.
  • مستوى الانخراط الخليجي في دعم سوريا اقتصاديًا.
  • غياب التفجيرات الداخلية التي قد تعطل هذا المسار قبل اكتماله.

سابعاً: ملخص تنفيذي

  • الاجتماع بين سوريا وإسرائيل في باريس يُعد علامة فارقة في مسار إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، مع بقاء تفاصيله غير معلنة رسميًا.
  • الجنوب السوري مرشح ليصبح منطقة منزوعة التأثير الإيراني، تحت رقابة روسية – سورية مشتركة.
  • العلاقات السورية الإسرائيلية تتجه نحو صيغة \”سلام أمني بلا إعلان سياسي\”.
  • دول الخليج العربي قد تدعم هذا المسار إذا ابتعدت دمشق عن طهران، مقابل مساعدات إعادة إعمار.
  • الموقف العربي سينقسم، بين مؤيد براغماتي (مصر، الأردن) ورافض عقائدي (الجزائر، تونس، العراق).
  • النموذج الجديد يشبه ما وصفه كيسنجر بـ\”السلام الوظيفي\” – لا تطبيع شامل، ولا قطيعة، بل توازن متغير باستمرار.

المراجع المستخدمة داخل النص:

    • Kissinger, H. (2014). World Order. Penguin Press.
    • Carnegie Middle East Center, Reports 2024–2025.
    • CSS Zurich, Syria Analysis Reports, March 2025.
    • Brookings Doha Center, Gulf–Levant Dynamics, 2025.
    • Chatham House, Syria Strategic Outlook, April 2025.

اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *