صورة تعبيرية للصراع في السودان

السودان.. صراع داخلي في مرمى المصالح الدولية والأسلحة الغربية

السودان ساحة لتقاطع المصالح الدولية

يرى العديد من الخبراء والمراقبين أن موقع السودان الجيوسياسي، وغناه بالثروات والموارد الطبيعية، جعله ساحة صراع مفتوحة لقوى إقليمية ودولية متنافسة. هذه الصراعات دفعت ثمنها الشعوب السودانية، التي وجدت نفسها ضحية لصراع القوى الكبرى، والتي جنّدت ودعمت ميليشيات محلية بالسلاح والمال تحت ذرائع مختلفة.

تورط دول في تزويد ميليشيات بالسلاح

أشارت تقارير إعلامية واستخباراتية إلى أن بعض الدول استخدمت أدوات متعددة، سياسية وعسكرية وحتى إنسانية، للتدخل في المشهد السوداني بهدف تحقيق مصالحها الخاصة. وتراوح هذا التدخل بين الدعم السياسي والعسكري المباشر، إلى إرسال المرتزقة، الخبراء، الأموال، والمساعدات اللوجستية.

ذخائر كيماوية بيد “الدعم السريع

في هذا السياق، ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية معلومات تشير إلى امتلاك قوات “الدعم السريع” أسلحة كيماوية.

وأكدت منصة “القدرات العسكرية السودانية” أن قوات الدعم السريع تتلقى أسلحة من شركة Rheinmetall Denel Munition الجنوب أفريقية، منها ذخائر عيار 40 ملم محشوة بالفوسفور الأحمر، يُشتبه في استخدامها ضد المدنيين.

الحكومة السودانية تتهم “الدعم السريع” باستخدام أسلحة محرّمة

وزير الإعلام والثقافة السوداني خالد الأعسر نشر تغريدة على منصة “أكس”، أكد فيها أن الجيش ضبط ذخائر أمريكية بحوزة ميليشيا الدعم السريع، متهمًا الولايات المتحدة بمحاولة صرف الأنظار عن تورط الميليشيا في استخدام أسلحة محرمة دوليًا.

الدعم السريع” يقرّ باستلام أسلحة أجنبية

من جهته، أقر مركز رؤى الإعلامي التابع لقوات الدعم السريع ضمن منشور بأن القوات حصلت مؤخرًا على تجهيزات عسكرية متطورة من صربيا، فرنسا، وجنوب أفريقيا. وأكد المستشار الباشا طبيق في تغريدة أن هذه الأسلحة ستُستخدم في العمليات العسكرية القادمة.

تقرير العفو الدولية: دعم عسكري عبر الإمارات

كشفت منظمة “العفو الدولية” في نوفمبر الماضي عن وجود ناقلات جنود مدرعة فرنسية بحوزة الدعم السريع بعد أن حصلت عليها عبر الإمارات العربية المتحدة. كما أكدت تقارير أخرى وجود دعم أوكراني منسق فرنسيًا.

دور Rheinmetall في شبكات التسلّح العالمية

سلّط تحقيق استقصائي لمجموعة Investigate Europe الضوء على شركة Rheinmetall الألمانية، والتي تملك تاريخًا طويلًا في تزويد الجيوش بالسلاح، وتدير اليوم شبكة دولية عبر شراكات مع شركات فرعية مثل Denel الجنوب أفريقية.

وأظهرت التحقيقات أن الشركة تتجنب القوانين الأوروبية الصارمة من خلال الإنتاج في دول ذات ضوابط تصدير ضعيفة مثل جنوب أفريقيا، ما يسمح بتوريد أسلحة لمناطق النزاع دون رقابة فعالة.

تورط محتمل في صراعات متعددة

وفقًا للوثائق، استخدمت ذخائر Rheinmetall في حرب اليمن، كما تم الإبلاغ عن وصولها إلى إسرائيل رغم الحظر الرسمي من جنوب أفريقيا. وهو ما أثار موجة احتجاجات ومساءلات قانونية من قبل منظمات حقوقية وبرلمانيين.

غضب سياسي ومجتمعي في جنوب أفريقيا

طالبت حركة “مقاتلو الحرية الاقتصادية” (EFF) بإغلاق مصانع Rheinmetall Denel Munition ووقف صادرات الأسلحة، ودعت إلى فتح تحقيق شفاف. كما اعترف مسؤولو اللجنة الوطنية لمراقبة الأسلحة بوجود ثغرات رقابية خطيرة، وعدم تنفيذ عمليات تحقق من المستخدم النهائي للأسلحة.

السودان وجهة جديدة للأسلحة الألمانية المصنعة في أفريقيا

ذكرت منصات إعلامية عسكرية موالية للحكومة السودانية أن قنابل الفوسفور عيار 40 ملم، والمُصنّعة في مصانع Rheinmetall، تم استخدامها في المعارك بالخرطوم. وتُتهم قوات الدعم السريع باستخدامها في ارتكاب انتهاكات جسيمة.

تساؤلات حول مسؤولية الشركات والحكومات

يثير تورط شركات مثل Rheinmetall في تسليح مناطق النزاع أسئلة حول كيفية موازنة الدول بين مصالحها الاقتصادية والتزاماتها الأخلاقية. وتُسلّط القضية الضوء على الحاجة إلى تشريعات أكثر صرامة ومراقبة فعالة للحد من انتشار الأسلحة في بؤر التوتر حول العالم.

السودان.. من نزاع داخلي إلى ساحة صراع دولي

خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي
خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي

قالت الخبيرة الإستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي:
إن “اندلاع الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مثّل نقطة تحوّل خطيرة، نقلت السودان من مربع النزاع الداخلي إلى ساحة تصفية حسابات دولية عبر وكلاء مسلحين”.

وأضافت أن “ما يجري على الأرض يعكس بوضوح صراع مصالح بين قوى إقليمية ودولية مثل فرنسا، أوكرانيا، الإمارات وجنوب إفريقيا، حيث ينشط كل طرف وفق أجندته الخاصة”.

سباق على الذهب والموانئ

أشارت العلي إلى أن “عدداً من الدول الإقليمية تسعى لإعادة رسم خريطة النفوذ في البحر الأحمر، بينما تركز أخرى على السيطرة على موارد السودان، من ذهب ويورانيوم، وحتى المعابر والموانئ البحرية”.
وأضافت: “هذه الأجندات المتداخلة جعلت من السودان ساحة متفجرة تعكس التنافس العالمي على الموارد والمواقع الاستراتيجية”.

تسليح عبر وسطاء وغياب الرقابة

قالت العلي إن “تقارير متعددة تحدثت عن شحنات أسلحة وصلت إلى السودان عبر وسطاء في غرب إفريقيا، وتورطت بها دول مثل جنوب إفريقيا، وسط غياب رقابة دولية فعالة”.
وأوضحت أن “الإمارات تُتهم بدعم مباشر لطرف في الصراع، في حين أن تحركات فرنسا وأوكرانيا تبدو مرتبطة أكثر بمحاولات خلق أوراق ضغط جديدة في العمق الإفريقي، ضمن توازنات مع روسيا”.

البعد الروسي والصراع بالوكالة

أضافت العلي أن “الدور الفرنسي والأوكراني لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع مع روسيا داخل القارة الإفريقية، خاصة في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ما يجعل السودان حلقة جديدة في هذه اللعبة الجيوسياسية”.

أدوات قانونية متاحة للسودان

شددت العلي على أن “السودان، كدولة متضررة، يمتلك أدوات قانونية ودبلوماسية يمكن تفعيلها، أبرزها اللجوء إلى معاهدات حظر تجارة الأسلحة غير المشروعة مثل (ATT)، وتحريك دعاوى في المحاكم الدولية”.
وأضافت: “يمكن أيضاً الاستفادة من صلاحيات مجلس الأمن لفرض رقابة أو عقوبات، في حال توفرت الأدلة حول تورط شركات أو دول في تغذية النزاع بالسلاح”.

صمت الاتحاد الإفريقي يهدد شرعيته

انتقدت العلي “غياب موقف فاعل من الاتحاد الإفريقي تجاه النزاع في السودان”، مؤكدة أن “الصمت لا يعبّر فقط عن عجز بل يكشف تقصيراً في تفعيل الآليات المنصوص عليها في الميثاق التأسيسي وخارطة طريق إسكات البنادق”.
وحذّرت من أن “استمرار هذا التجاهل يهدد بانهيار ما تبقى من شرعية الاتحاد أمام الشعوب الإفريقية، ويضع علامة استفهام حول استقلالية قراراته”.

السودان كنموذج لحروب السلاح

اختتمت العلي تصريحها بالقول: “السودان لم يعد مجرد ملف نزاع محلي، بل أصبح نموذجاً واضحاً لتحول الحروب بالوكالة إلى تجارة مربحة في السوق الدولية للسلاح، وسط تعقيدات قانونية وفجوة صارخة بين الشعارات والمصالح الفعلية على الأرض”.


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *