في ظل الحرب المستمرة مع روسيا، تسعى أوكرانيا إلى تعزيز نفوذها في القارة الإفريقية عبر أدوات دبلوماسية وعسكرية وإنسانية، في إطار استراتيجية تهدف إلى عزل موسكو دوليًا وكسب دعم دول الجنوب العالمي، لا سيما في إفريقيا التي تمثل 28% من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة.
تحركات سياسية ودبلوماسية موسعة
منذ عام 2022، بدأت أوكرانيا بتكثيف علاقاتها بالقارة الإفريقية. وفي خطاب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمام الاتحاد الإفريقي، حاول الترويج لما وصفه بـ”مقاومة الاستعمار الروسي”، إلا أن هذا الخطاب لم يحقق التجاوب المتوقع.
وعززت كييف عدد بعثاتها الدبلوماسية في إفريقيا، حيث ارتفع عدد السفارات من 11 إلى 21 خلال عامين، مع التركيز على دول مثل غانا ورواندا والكونغو الديمقراطية. كما أطلقت أوكرانيا برنامج “الحبوب من أوكرانيا”، الذي شمل إرسال ما يقرب من 300 ألف طن من المساعدات الغذائية إلى دول تعاني من انعدام الأمن الغذائي مثل السودان والصومال، وذلك بالشراكة مع برنامج الغذاء العالمي وبتمويل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
اتهامات بتسليح جماعات مسلحة وتورط في نزاعات
رغم المبادرات الإنسانية، تواجه أوكرانيا اتهامات من عدة دول أفريقية بتقديم دعم عسكري وتقني لجماعات متمردة ومسلحة. ففي مالي، اتهمت الحكومة الأوكرانيين بتدريب وتجهيز مقاتلين ينتمون لجماعات متشددة، وتم رصد استخدام طائرات مسيّرة من طراز “مافيك” أوكرانية الصنع في هجمات استهدفت الجيش.
وذكرت وسائل إعلام مالية أن هجومًا وقع يوم 27 مايو الماضي على معسكر ديورا في منطقة موبتي، أسفر عن مقتل عدد من جنود الجيش المالي، وقد تبنّت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم القاعدة هذا الهجوم.
السودان ومزاعم تورط في دعم الدعم السريع
اتهمت وزارة الخارجية السودانية أوكرانيا بتزويد قوات الدعم السريع بطائرات مسيّرة ومعدات عسكرية متقدمة، وهو ما أدى إلى أضرار مباشرة في صفوف الجيش السوداني وساهم في تعقيد الأزمة الداخلية.
موريتانيا… نقطة ارتكاز في الساحل
في مايو 2024، افتتحت أوكرانيا سفارتها في نواكشوط، التي تحولت إلى مركز لنشاطها في منطقة الساحل. حيث عرضت كييف تدريب القوات الموريتانية وتزويدها بتقنيات عسكرية. وصرّح مكسيم صبح، مبعوث أوكرانيا إلى إفريقيا، باستعداد بلاده لتدريب الضباط الموريتانيين ومشاركة الخبرات العسكرية معهم.
وبحسب تقرير لوكالة “رويترز”، أشرفت السفارة الأوكرانية على إرسال ثلاث شحنات من المساعدات الإنسانية إلى مخيم “امبرة” شرق موريتانيا، الذي يستضيف حوالي 250 ألف لاجئ من مالي، بينهم عناصر مسلحة.
شبهات نقل أسلحة عبر السفارات
اتهمت وسائل إعلام مالية السفارة الأوكرانية في نواكشوط بلعب دور في نقل أسلحة إلى جماعات متمردة في مالي، وتحدث الجيش المالي مؤخرًا عن استعدادات لعملية كبيرة شمال البلاد بدعم من مدربين أجانب، بينهم أوكرانيون وفرنسيون.
الأسلحة الغربية… طريقها إلى الجماعات المتشددة؟
اتهمت مالي والنيجر الغرب، خصوصًا الدول الداعمة لأوكرانيا، بتسريب أسلحة إلى جماعات متطرفة في الساحل الإفريقي. وصرّح ممثل مالي في الأمم المتحدة بأن بعض الأسلحة المرسلة لكييف وجدت طريقها إلى الإرهابيين.
تصاعد العنف في منطقة الساحل، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، ارتفع عدد الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل بنسبة 62% منذ عام 2021. وفي عام 2023، سجلت القارة الإفريقية 48% من ضحايا الإرهاب عالميًا. ويخشى خبراء أن يؤدي استمرار دعم الجماعات المسلحة إلى توسع رقعة النزاع المسلح.
طموحات أوكرانية مقابل مخاوف أمنية إفريقية، بينما تسعى كييف لبناء نفوذ في إفريقيا وتقديم نفسها كبديل للدور الروسي، تواجه اتهامات متزايدة بتقويض الاستقرار في عدد من الدول الإفريقية عبر دعم جماعات مسلحة. ويثير هذا الدور تساؤلات حول طبيعة الحضور الأوكراني في القارة، وما إذا كانت الجهود الإنسانية تغطي على أهداف أمنية وعسكرية أعمق.

منصة استراتيجية ونقطة انطلاق
قال أمية يوسف حسن أبو فداية، الباحث الاستراتيجي المتخصص في شؤون القرن الإفريقي: إن اختيار أوكرانيا لموريتانيا كنقطة انطلاق لنشاطها في منطقة الساحل الإفريقي لم يكن اعتباطيًا، بل جاء نتيجة لعدة اعتبارات، أبرزها الموقع الجغرافي الاستراتيجي لموريتانيا واستقرارها النسبي مقارنة بدول الجوار، بالإضافة إلى كونها تمثل بوابة دبلوماسية مهمة في الساحل.
وأضاف أن هذا التوجه يندرج ضمن سياق أوسع من صراع النفوذ بين موسكو وكييف، حيث تسعى أوكرانيا إلى تقويض الحضور الروسي المتنامي في إفريقيا، من خلال التحرك في ثلاثة مسارات: الأمني، الدبلوماسي، والإنساني.
مزاعم روسية بلا دلائل
وأشار أبو فداية إلى أن الحديث عن تورط السفارة الأوكرانية في نواكشوط بنقل أسلحة إلى جماعات مسلحة في مالي، لا يستند إلى أدلة موثقة، وقال: “هذه المزاعم ظهرت أولاً في وسائل اجنبية، ولم يتم تبنيها من قبل أي جهة محايدة أو دولية”.
وأضاف أن السلطات الأوكرانية تنفي بشكل قاطع صحة تلك الاتهامات، مؤكدًا أن غياب أي دليل رسمي أو تحقيق مستقل يجعل من الصعب التعامل مع هذه المزاعم كمعلومات موثوقة.
تدريب الجيش الموريتاني لا يُهدد الاستقرار
وأكد الباحث أن عرض أوكرانيا تدريب عناصر من الجيش الموريتاني لا يشكل تهديدًا لأمن المنطقة، مشددًا على أن الأمر يتم بالتنسيق الكامل مع الحكومة الموريتانية.
وأضاف أن هذا التعاون العسكري يمكن أن يُسهم في رفع جاهزية موريتانيا الأمنية في مواجهة التهديدات الإرهابية والإقليمية المتصاعدة، لكنه يُقابل بتحفظ روسي واضح، إذ تنظر موسكو إلى هذا النوع من التحركات على أنه جزء من منافسة جيوسياسية مباشرة معها في القارة الإفريقية.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 