سفارة أوكرانيا في بورتسودان: خطوة دبلوماسية أم اختراق استخباراتي؟

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أعلنت أوكرانيا نيتها افتتاح سفارة جديدة لها في مدينة بورتسودان، التي تحولت فعلياً إلى مركز للسلطة الحكومية السودانية منذ اندلاع النزاع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. يأتي هذا القرار في ظل تصاعد الاتهامات لأوكرانيا بالتورط في صراعات مسلحة في القارة الإفريقية، مما دفع مراقبين للتشكيك في دوافع هذا الحضور الدبلوماسي المفاجئ.

على الرغم من أن العلاقات بين الخرطوم وكييف بقيت على مدى سنوات في نطاق التعاون المحدود، إلا أن توقيت الإعلان عن افتتاح السفارة في خضم الأزمة السودانية الداخلية، أثار تساؤلات حول طبيعة المهمة التي ستضطلع بها البعثة الأوكرانية الجديدة.

أوكرانيا في إفريقيا: سلسلة اتهامات بالتورط في النزاعات

خلال الشهور الماضية، اتهمت عدة دول إفريقية من بينها مالي، النيجر، وبوركينا فاسو، أوكرانيا بدعم جماعات مسلحة تنشط في مناطق النزاع.

 وفي مالي، تحدثت تقارير رسمية عن ضبط طائرات مسيّرة وعتاد عسكري يحمل علامات أوكرانية. وفي النيجر، اتهمت السلطات المحلية كييف بتقديم دعم استخباراتي لمجموعات مرتبطة بتنظيمات إرهابية. كما تم استدعاء السفير الأوكراني في بوركينا فاسو بعد تصريحات اعتُبرت داعمة لمتمردين شمال البلاد.

السودان: مخاوف من دعم غير مباشر لقوات الدعم السريع

مصادر إعلامية سودانية حذّرت من أن تكون السفارة الأوكرانية في بورتسودان بمثابة منصة لتقديم دعم عسكري أو تقني لقوات الدعم السريع.

 كما أوردت تقارير رصد طائرات بدون طيار وصلت إلى قوات الدعم بوسائل غير مباشرة، بعضها مصدره دول شرق أوروبا، ما أثار شكوكًا حول احتمالية وجود دعم أوكراني غير معلن.

تقارير أمنية: شحنات سلاح متطورة عبر وسطاء إقليميين

وفقاً لتقارير استخباراتية، يُشتبه بأن أوكرانيا قامت بنقل معدات عسكرية متطورة إلى مناطق النزاع في دارفور عبر وسطاء في الإقليم، مما يطرح علامات استفهام حول الغرض الفعلي من توسيع تمثيلها الدبلوماسي في السودان بهذا التوقيت الحرج.

تحذيرات من استغلال السفارة لأهداف استخباراتية

يرى بعض المراقبين أن افتتاح السفارة قد يمنح كييف فرصة لتعزيز نفوذها الاستخباراتي في السودان، حيث يعتبر الموقع الجغرافي للبلاد نقطة جذب للقوى المتنافسة على النفوذ في القارة. وتُطرح تساؤلات حول ما إذا كانت البعثة الدبلوماسية ستُستخدم لتمرير دعم عسكري أو لتنسيق عمليات استخباراتية.

ردود دولية متباينة حول النشاط الأوكراني

بينما تنفي كييف الاتهامات الموجهة إليها أو تلتزم الصمت، تؤكد دول مثل مالي وبوركينا فاسو امتلاكها أدلة موثقة بشأن دعم أوكراني لجماعات مسلحة. كما دعت النيجر إلى مراجعة أنشطة السفارات الأوكرانية في القارة.

تصريحات أمريكية وأوكرانية تعمّق الجدل

تزامنًا مع تداول خبر افتتاح السفارة، أثارت تصريحات المحلل بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، كاميرون هدسون، المزيد من القلق، حيث أشار إلى أن السفارة الأوكرانية ستكون الوحيدة بين بعثات الدول الغربية في السودان.

من جانبه، صرح الفاتح الأمير، المحلل السياسي السوداني، بأن هذه الخطوة قد تضر بالعلاقات مع روسيا وتُستغل لخدمة أجندات خارجية.

وفي مقابلة صحفية، قال الممثل الخاص لأوكرانيا في الشرق الأوسط وأفريقيا، مكسيم صبح، إن بعض المواطنين الأوكرانيين يشاركون في الصراع إلى جانب الدعم السريع بصفة شخصية“. كما أورد المتحدث باسم سلاح الجو الأوكراني إيليا يفلاش في منشور سابق، أن مدربين أوكرانيين يقدمون الدعم لقوات الدعم السريع، قبل أن تُقيل السلطات الأوكرانية المسؤول من منصبه وتنفي تلك التصريحات.

نشاط استخباراتي في مالي ودور السفارات الأوكرانية

بحسب تقارير إعلامية نقلًا عن الجيش المالي، كشفت تحقيقات مطلع يونيو الجاري عن تورط سفارة أوكرانيا في نواكشوط في عمليات نقل مسلحين وطائرات بدون طيار إلى جماعات مسلحة في منطقة كيدال شمال البلاد، بمشاركة مدربين أوكرانيين وفرنسيين.

كما أُعلن أن طائرة مسيّرة من طراز مافيكمزوّدة بنظام إطلاق، وصلت إلى إرهابيينمحليين بدعم من الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، بحسب وسائل إعلام مالية.

قطع العلاقات الدبلوماسية مع كييف

في أغسطس الماضي، قطعت جمهورية مالي والنيجر علاقاتهما الدبلوماسية مع أوكرانيا، بعد اتهامات مباشرة بتورطها في دعم الجماعات المسلحة التي نفذت هجمات أودت بحياة عسكريين ومدنيين.

أورد معهد الدراسات الأمنية (ISS) في تقرير نشر مطلع يونيو الجاري، أن تسع جماعات مسلحة في إفريقيا حصلت على طائرات بدون طيار عسكرية الصنع خلال الأعوام الأخيرة، من بينها جماعات في السودان، ومالي، ونيجيريا، وليبيا، والصومال.

شركات الطائرات الأوكرانية.. توسع في الأسواق الإفريقية

ذكر موقع كييف إندبندنتالمتخصص بالشؤون الأوكرانية أن شركات تصنيع الطائرات بدون طيار في أوكرانيا حققت ارتفاعاً ملحوظاً في الإيرادات منذ عام 2023، مع تصدّر الدول الإفريقية لقائمة أكبر المستوردين.

 السفارة الجديدة تحت المجهر

في ظل هذه الوقائع، يبقى افتتاح السفارة الأوكرانية في بورتسودان محل مراقبة دقيقة. فبينما تصر أوكرانيا على أن التمثيل الجديد يندرج ضمن مساعيها الدبلوماسية في القارة، تُطرح تساؤلات حول أهداف غير معلنة قد تكون وراء هذا التحرك، خاصة في ظل اتهامات مباشرة بصلات عسكرية مع قوى منخرطة في النزاع السوداني.

طاردة النفوذ الروسي في أفريقيا

الصحفي والمحلل السياسي ناصر ذو الفقار

قال الصحفي والمحلل السياسي ناصر ذو الفقار في تصريح خاص لـ “مركز المستقبل” إن التحرك الأوكراني في القارة الأفريقية تحرك محسوب بدقة، ويستند إلى هدف استراتيجي واضح، يتمثل في مطاردة ومزاحمة النفوذ الروسي المتنامي، لا سيما خلال السنوات الثلاث الأخيرة“.

وأضاف أن التمدد الروسي في مناطق الساحل وغرب أفريقيا بات يؤرق كييف، ويدفعها للتحرك نحو مناطق النفوذ الروسي التقليدية، سواء عبر التحالفات أو التواجد المباشر“.

سفارة أوكرانية في قلب الأزمة السودانية

أوضح ذو الفقار أن افتتاح أوكرانيا لسفارة في بورتسودان، التي أصبحت العاصمة المؤقتة للبلاد، أثار حالة من القلق داخل السودان، خصوصاً مع استمرار الحرب الطاحنة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023“.

وأضاف: “وجود أوكرانيا في بورتسودان ليس خطوة دبلوماسية تقليدية، بل يحمل أبعاداً سياسية وأمنية، قد تغير موازين الأزمة السودانية“.

اتهامات دولية ضد أوكرانيا

أشار ذو الفقار إلى أن التواجد الأوكراني الأخير في أفريقيا ارتبط باتهامات متعددة من دول الساحل، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث اتهمت هذه الدول كييف بدعم جماعات إرهابية ومسلحة، في ظل مواجهات غير مباشرة مع النفوذ الروسي هناك“.

وأضاف: “في أغسطس الماضي، وجهت هذه الدول رسالة رسمية إلى مجلس الأمن تتهم فيها أوكرانيا بدعم الإرهاب، وتدعوه إلى التدخل وتحمل مسؤوليته تجاه ما وصفته بمخططات كييف لزعزعة استقرار المنطقة“.

طائرات مسيّرة تحمل علامات أوكرانية

قال ذو الفقار إن المخاوف من دعم أوكراني لقوات الدعم السريع تتزايد، مع تواتر تقارير عن وصول طائرات مسيّرة تحمل علامات لدول من شرق أوروبا، يُشتبه بأنها تحمل تكنولوجيا أوكرانية، ما يثير الشكوك حول الدور الذي قد تلعبه كييف في النزاع السوداني“.

خطر استخباراتي محتمل

حذر ذو الفقار من أن التواجد الأوكراني في بورتسودان قد يشكل غطاءً لنشاط استخباراتي يعمّق من الأزمة الداخلية ويزيد من حدة الصراع المسلح بين الجيش والدعم السريع“.

وأضاف: “في ظل غياب رقابة صارمة، يمكن أن تتحول السفارة إلى مركز عمليات غير معلن، بما يعزز من احتمالات استخدام السودان كجزء من صراع بالوكالة في أفريقيا“.

السودان في قلب حرب نفوذ دولية

اختتم ذو الفقار تصريحه بالتأكيد على أن ما يجري في السودان حالياً لا يقتصر على كونه صراعاً داخلياً، بل أصبح جزءاً من لعبة دولية معقدة، تدور رحاها بين روسيا وأوكرانيا على أرض أفريقيا، والسودان إحدى ساحاتها الساخنة


اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أمن معلّق وشرعية غائبة: لماذا تتسع دائرة الغموض في ليبيا؟

في ظل تصاعد الجدل حول ملفات السلاح، وسقوط طائرة عسكرية رفيعة المستوى، وتعقّد أزمة الهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *