في خطوة تواكب التطورات الجيوسياسية الحالية، أعلن نائب وزير الخارجية الروسي السابق، ميخائيل بوغدانوف، عن استمرار الاتصالات بين موسكو والحكومة السورية الجديدة بشأن مستقبل القواعد العسكرية الروسية في سوريا، مشيرًا إلى أن المحادثات تسير بشكل إيجابي معرباً عن أمله في التوصل إلى تفاهم مشترك يحفظ مصالح الطرفين. هذا الإعلان يأتي في وقت حساس، حيث يسعى النظام السوري بقيادة الرئيس أحمد الشرع إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية لضمان استقراره على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
وفي تصريحات على هامش منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2025، قال بوغدانوف “نحن على تواصل بالطبع، وكل شيء يسير بشكل جيد حتى الآن، وآمل أن نتوصل إلى تفاهم مشترك مع السلطات الجديدة. لقد جرت فعلياً محادثات بهذا الشأن”.
وأضاف بوغدانوف أن وزارة الخارجية الروسية وجهت دعوة رسمية إلى وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، لزيارة موسكو على رأس وفد رسمي من دمشق، مشيراً إلى أن بلاده تتوقع أن تُقبل هذه الدعوة في وقت قريب.
وكان قد أشار المتحدث باسم الرئاسة الروسية “الكرملين”، دميتري بيسكوف، إلى أن روسيا لديها “مصالح خاصة” في سوريا، ويجب عليها تأمين هذه المصالح من خلال الحوار مع السلطات السورية الحالية، مشدداً على ضرورة التعامل مع من هم في موقع السلطة الفعلية في البلاد.
وفي تصريحات لتلفزيون “روسيا اليوم”، أوضح بيسكوف أن “ما حدث في سوريا قد وقع بالفعل، جزئياً بسبب تأثير خارجي، ولكن أيضاً بسبب عمليات داخلية”، مضيفاً أن النظام هناك “انهار كعملاق ذي أقدام من طين”، في إشارة إلى هشاشة بنية نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد.
وأشار المسؤول الروسي إلى أن بلاده “ترى أن المرحلة الحالية تتطلب إقامة علاقات عملية مع من يمسكون بزمام الأمور في سوريا”، مؤكداً أن هذه العلاقات “ضرورية لضمان مصالح روسيا في المنطقة”.
من جانبه، يعتقد نظام الرئيس السوري أحمد الشرع أن العلاقات السورية – الروسية تمثل حجر الزاوية لاستقرار سوريا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها. فقد أشار الرئيس الشرع في أكثر من مناسبة إلى أن روسيا تعد حليفًا استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها البلاد، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
ويؤكد مراقبون أن زيارة وزير الخارجية السوري إلى موسكو، المزمع إجراؤها في المستقبل القريب، ستعزز العلاقات الثنائية بين البلدين، حيث ستناقش الزيارة “كامل نطاق العلاقات الثنائية”، بما في ذلك التعاون العسكري والاقتصادي، بالإضافة إلى ملف إعادة الإعمار. ويرى المراقبون أن تقديم الدعم الفني والعسكري الروسي لسوريا سيعد من الركائز الأساسية في دفع عجلة إعادة البناء، خاصة في ظل التدمير الكبير الذي لحق بالبنية التحتية السورية.
كما يرى الخبراء أن تأمين حليف استراتيجي مثل روسيا، وهي قوة كبرى على الصعيد السياسي والعسكري، يعد أمرًا بالغ الأهمية في تأمين الاستقرار السياسي على الساحة الدولية. فوجود روسيا إلى جانب سوريا يشكل رادعًا قويًا ضد أي محاولات للضغط أو الابتزاز من قبل القوى الغربية، التي لطالما مارست ضغوطًا على دمشق لتنفيذ أجندات تتناقض مع مصالحها الوطنية. ويؤكد هذا الموقف أن سوريا، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، لن تتردد في تعزيز علاقتها مع روسيا، باعتبارها شريكًا محوريًا في ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة.
تمسك موسكو بمواقعها الاستراتيجية
قال المحلل السياسي المهتم بالشأن السوري زكي الدروبي: إن استمرار التنسيق الروسي مع الحكومة السورية الجديدة حول مستقبل القواعد العسكرية يعكس تمسك موسكو بمواقعها الاستراتيجية في شرق المتوسط، خاصة في ظل التوترات الدولية المتصاعدة.
وأضاف أن روسيا تعتبر وجودها في سوريا ركيزة أساسية لنفوذها في المنطقة، وأنها تعمل على تحصين هذا الوجود بالتفاهم مع القيادة السورية الجديدة، رغم الضغوط الغربية والإقليمية، وأن هذا التنسيق يأتي في إطار حسابات أوسع تتعلق بتوازن القوى العالمي، ومحاولة روسيا التأكيد على أنها لاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه في قضايا الشرق الأوسط.
وأكد أن الوجود الروسي في سوريا يحمل أكثر من معنى فمن جهة يمكن أن يسهم في استقرار نسبي عبر دعم المؤسسات المركزية ومنع الإنهيار، خصوصا في الملفات الأمنية.
استثمارات اقتصادية
وأضاف أن روسيا تحاول عبر استثمارات اقتصادية محدودة في البنية التحتية والموانئ إرسال إشارات عن التزامها طويل الأمد تجاه سوريا، وفي الوقت نفسه أن هذا الوجود قد يكرس حالة الاستقطاب حيث تعتبره بعض الأطراف الإقليمية والدولية تحديا لمصالحها، مما قد يزيد من تعقيد المشهد السوري ويؤخر فرص التوافق الشامل.
وأوضح أن زيارة وزير الخارجية السوري المرتقبة إلى موسكو تمثل خطوة جديدة في ترسيخ الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، في ظل مساع سورية لتعزيز التعاون مع الحليف الروسي في ملفات حيوية.
وأشار الدروبي، إلى أن ملفات الإعمار والتسليح ستكون على رأس جدول الأعمال، خصوصا في ظل استمرار العقوبات الغربية، مما يدفع دمشق للاعتماد أكثر على الدعم الروسي.
وأكد أن الزيارة قد تثمر عن تفاهمات جديدة تتعلق بآليات التمويل والإشراف على مشاريع إعادة الإعمار، إلى جانب تحديث منظومة التسليح السورية بما يتلاءم مع المتغيرات الميدانية في المنطقة.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 