بلغ التنافس الدولي وصراع النفوذ أشده خلال العقد الماضي في ليبيا، حيث شكلّت الساحة الليبية ملعباً للصراع الدولي بحكم موقعها الهام جداً، إلى جانب الثروات الطبيعية الهائلة التي تحتضنها أراضي البلاد، مما جعل الشعب الليبي يدفع ثمناً باهظاً لهذا الصراع، منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع معمر القذافي وحتى اليوم.
وبحسب بعض الخبراء المراقبين فإن الأحداث الميدانية والخلافات السياسية والمشاكل الأمنية والاقتصادية بين القوى والأفرقاء الليبيين، هي انعكاس للصراعات الخارجية وتعبير واضح عن الموقف السياسي وشكل العلاقات بين الدول المتدخلة في الملف الليبي.
وقد تجلّى الصراع الدولي في ليبيا بعدة ملفات، منها حكومات الشرق والغرب، وملفات النفط والقواعد العسكرية الأجنبية، والهجرة غير الشرعية وغيرها. ويأتي ذلك وسط قلق أوروبي من تنامي النفوذ التركي في المنطقة الذي أصبح ينافس الغرب ويتجلى من خلال عدّة مؤشرات.
حكومة حمّاد تلغي زيارة وزراء أوروبيين لبنغازي
في سياق متصل، ألغت سلطات شرق ليبيا (بنغازي)، ممثلة في حكومة أسامة حمّاد، زيارة لوزراء داخلية إيطاليا واليونان ومالطا، ومفوض الاتحاد الأوروبي للهجرة، بداعي «عدم احترامهم السيادة الوطنية وتجاوز الأعراف».
وقالت حكومة حمّاد، الثلاثاء، إنها ألغت الزيارة المقررة للوفد الأوروبي والفريق المصاحب له عقب وصولهم إلى «مطار بنينا الدولي» بمدينة بنغازي، و«إبلاغهم بضرورة مغادرة الأراضي الليبية فوراً، باعتبارهم غير مرغوب فيهم».
وكانت حكومة حمّاد فرضت قيوداً على تحركات أفراد البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية داخل البلاد، وأدرجت ذلك ضمن ما سمّته «ضوابط تحقق التوزان بين الالتزامات الدولية، وضرورة فرض الأمن والسيادة الوطنية».
ودعت الحكومة البعثات والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية إلى «عدم القيام بأي زيارات أو لقاءات رسمية داخل الدولة الليبية دون إشعار مسبق وموافقة الجهات المختصة»، مؤكدةً ضرورة «إخطار الجهات المختصة بأي أنشطة رسمية أو شبه رسمية تعتزم القيام بها».
والوفد الذي طردته سلطات بنغازي، شارك في طرابلس في اجتماع موسع بشأن الهجرة غير النظامية مع حكومة عبد الحميد الدبيبة، وضم مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية ماغنوس برونز، ووزير الهجرة اليوناني أثاناسيوس بليفيريس، ووزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي، ووزير الشؤون الداخلية والأمن بمالطا بايرون كاميلييري، إلى جانب مسؤولين آخرين في بعثة الاتحاد الأوروبي لليبيا وأفريقيا.
شرق ليبيا ساحة نفوذ مفتوحة
قالت خبيرة الشؤون الاستراتيجية في الشأن العربي والأوروبي ولاء العلي:

إن “التحول الذي يشهده الشرق الليبي لم يعد مجرد حالة عابرة، بل يمثل واقعاً
جديداً لنفوذ متعدد الاتجاهات، تقوده مصالح إقليمية واضحة، على رأسها الحضور التركي المتنامي”.
وأضافت أن “ما يحدث ليس مجرد تنسيق لحظي، بل إعادة صياغة دقيقة لمفهوم التحالفات داخل ليبيا، على أساس واقعية المصالح وتغير موازين القوى في المنطقة”.
انفتاح حكومة حماد على توازنات إقليمية
أشارت العلي إلى أن “حكومة أسامة حماد، تسعى إلى رسم مسارها خارج ظل المشير خليفة حفتر، من خلال مقاربات أكثر مرونة، تتيح لها اللعب على التوازنات الإقليمية بدلاً من الارتهان الكامل لمحور واحد”.
وأضافت: “النفوذ التركي يدخل من هذه البوابة البراغماتية، حيث تلتقي مصالح أنقرة وبنغازي في كسر الجمود السياسي وضمان حضور في معادلات ما بعد الحرب”.
تركيا على ضفتي النزاع
قالت العلي إن “التنسيق التركي مع سلطات الشرق الليبي لم يعد محض تحليلات، بل واقع تؤكده اللقاءات والزيارات رفيعة المستوى”.
وأضافت أن “أنقرة تسعى إلى فرض معادلة تقوم على الوجود على ضفتي النزاع، ليس بصفتها طرفاً عسكرياً مباشراً، بل كلاعب سياسي واقتصادي فاعل”.
غياب أوروبي وثغرات استراتيجية
لفتت العلي إلى أن “الفتور الأوروبي، خصوصاً من روما وأثينا، حيال سلطات الشرق، يمنح أنقرة فرصة للتمدد دون مواجهة مباشرة مع الأوروبيين، ولكن بخطوات محسوبة ضمن تحدٍ استراتيجي واضح”.
تعقيد جديد في موازين القوى
قالت العلي إن “النفوذ التركي في شرق ليبيا قد يعيد خلط أوراق التسوية السياسية بالكامل، من خلال إعادة توزيع التحالفات داخل البلاد”.
وأضافت: “ذلك سيضع الأطراف الإقليمية، من القاهرة إلى أبوظبي، أمام خيارات جديدة، لا سيما إذا استمرت أنقرة في تعزيز علاقتها مع شخصيات محورية مثل صدام حفتر”.
انفتاح يتجاوز الاستقطاب
أكدت العلي أن “التقارب التركي مع قيادات الشرق لا يعكس فقط تحولاً في العلاقات الثنائية، بل قد يكون مقدمة لإعادة تعريف الخريطة السياسية الليبية على أسس مصلحية جديدة”.
وأضافت: “هذا الواقع يفرض تحديات أمام جهود التسوية الأممية، ويعيد طرح السؤال حول ما إذا كانت ليبيا بصدد الدخول في مرحلة جديدة تتجاوز الاستقطاب التقليدي”.
تركيا والمصالح البراغماتية
اختتمت العلي تصريحها بالقول: “تركيا لا تدخل شرق ليبيا من باب العداء، بل عبر بوابة المصالح المشتركة وحسابات الواقع المتغير”.
وأضافت: “المشهد الليبي يبدو مهيأً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاستقبال معادلات جديدة، تتجاوز التصنيفات القديمة، وتُعيد توزيع الأدوار على قاعدة واحدة: من يمتلك أوراق المصالح، هو من يُملي شروط اللعبة”.
تقارب تركي مع الشرق الليبي
وكان مدير إدارة الاستخبارات العسكرية بالقوات التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، آمر «اللواء 444» اللواء محمود حمزة زيارة رسمية إلى تركيا في الـ14 من أبريل الماضي على رأس وفد تلبية لدعوة رسمية من الحكومة التركية، وذلك بعد أيام من زيارة رسمية لرئيس أركان القوات البرية التابعة لـ«القيادة العامة» صدام حفتر إلى أنقرة.
وكشفت مجلة «جون أفريك» الفرنسية لاحقا أن زيارة صدام حفتر تطرقت إلى اتفاق على تدريب القوات العسكرية لـ«القيادة العامة» على تسيير الطائرات من دون طيار التركية، وتعاون عسكري بعدة مجالات.
وقالت صحيفة «تركيا اليوم» إن هناك مساحة للحوار بين الأطراف في شرق ليبيا وغربها، مشيرة في افتتاحيتها إلى خطوات سريعة تتخذها أنقرة للتقرب من الأطراف في الشرق الليبي.
اكتشاف المزيد من مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخاطر 